


عدد المقالات 369
قال لي مرة الكاتب الصحافي السوداني المعروف صديق البادي، إنه يعرف مواطناً هتف في إحدى اللقاءات الجماهيرية «لمن غمر»، أي حتى أغمي عليه؛ مثالاً على شدة الانفعال والعاطفة التي تجتاح بعض الناس بأكثر مما كان يرجو القادة السياسيون. العاطفة في السياسة مطلوبة، بل وضرورية، لكن بمقدار؛ فإذا ما زادت عن الجرعة المطلوبة تحوّل التخطيط إلى هتاف وأشعار وتزييف.. يمكن أن نقول «نحن الساس ونحن الراس»، وليس في هذا التفاخر ما يعيب، ولا يستلزم أن يخرج علينا من ينكد هذه السكرة (الحميدة) بالقول إن الإحصاءات تكذّب هذا الإدعاء؛ يكون الإحصائي في مثل هذه الحالة كمن لا يرى جمالاً في قول شوقي: وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي بدعوى أن الوطن لا يمكن أن يشبه الجنة. ويستفيض هذا «المنطقي» في تفنيد المعنى الشاعري الجميل. قد توجد بهارات عاطفية حتى في كتابة التاريخ، لكنها لا تبلغ درجة الأكاذيب. فمن الطبيعي أن نقرأ في أوطاننا تاريخاً عن نضالنا الوطني يختلف عن تاريخ كتبه عنا أكاديميون آخرون. وقد ينخدع كاتب سوداني بما يظنه موضوعية، فيزعم بدعوى تخلّصه من العواطف أن استقلال السودان كان مجرد منحة من المستعمر. من أمثلة اختلاط العاطفة بالسياسية والتي أثارت جدالاً كثيراً، قرار الرئيس المصري جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، فقد شحن عبدالناصر شعبه في تلك الليلة بطاقة عاطفية هائلة حين أعلن بأسلوبه الخطابي الساحر عن تأميم القنال وعودة قناة مصر إلى شعب مصر ؛ لكن البعض رأى -بحسابات العقل- أن الزعيم المصري أدخل بلاده في مواجهة مع دول عظمى بلا داعٍ؛ لأن القنال كانت سوف تعود إلى مصر عام 1968، بموجب الاتفاقية التي منحت الشركة امتياز إدارة القنال لـ 99 سنة تنتهي في التاريخ المذكور.. لكن الجدال انتهى لمصلحة قرار الزعيم، فالشعب لا يريد أن يفقد نشوة العزة بانتزاع القنال. النقاش حول الموضوع مبرر؛ لأن العاطفة تجد أحياناً اهتماماً زائداً على حساب البرامج والخطط. وعلى سبيل المثال تظل «التعبئة» حالة دائمة تُرصد لها ميزانيات ضخمة؛ فما أن يأتي نظام جديد حتى يكون استقبال الرئيس أو الوالي أو المحافظ بنداً مالياً ثابتاً في كل محلية، حتى ولو زار المسؤول المنطقة 10 مرات، وتستمر حالة التعبئة بلا نهاية، رغم أنها بطبيعتها حالة عابرة يُفترض ألا تتعدى الشهور الأولى من عمر النظام الجديد، أو العام الأول على الأكثر. الآن بلغت الثورة السودانية أكثر من نصف العام على انتصارها؛ لكن حالة النشوة بالانتصار ما زالت سيدة الموقف. وقد تؤخّر هذه الحالة العاطفية مرحلة البناء التي تعقب بالضرورة مرحلة الثورة التي يفترض ألا يطول عمرها؛ لكن قد تطيل عمر هذه الحالة مشقة البناء، فيهرب الناس من الفعل الشاق إلى الاحتفالات. و ثمّة عامل آخر يُبطئ العمل البنّاء، هو الركون إلى مهاجمة العهد السابق وتعديد مظاهر فشله وفساده. هذه حالة أخرى عجيبة لأن فساد النظام السابق وفشله أمر معلوم، ولولاهما لما هبّ الشعب الثائر يواجه الرصاص والموت، لكن الركون إلى الطعن في النظام البائد مهرب آخر من مواجهة مهمة البناء العسيرة.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...