alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 355

من لطائف الإسراء

11 يناير 2026 , 11:07م

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل التي يكثر تكرارها، لكن مع ذلك، يتعمق معناها واعتبارها. ففي مطلع سورة الإسراء يقول الحق جلّ وعلا: }سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِيْ بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ{، افتتحت الآية بتنزيه الخالق الذي أسرى بحبيبه تحت جنح الظلام من البيت الحرام، فقطع به المفاوز إلى المسجد الأقصى في بلاد الشام، واختتمت الآية بصيغة التوكيد لصفتي السميع البصير، وهنا يجب ربط السياق بأسباب النزول وظروفه، ونعلم أن الإسراء والمعراج كانا في منزلة رحلة مواساة وإفراج عن النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ضاقت به السبل الفجاج؛ فقد كذّبه قومُه في مكة وتقوّلوا عليه الأقاويل، وأعرضوا عن محكم التنزيل، فقصد إلى الطائف؛ عسى أن يلقى منهم التصديق والإيمان، فلقي السفاهة والجحود والكفران، وأغروا به الأحداث والصبيان، وأقبل إلى هدايتهم ملهوفًا، وتولى عنهم محزونًا مأسوفًا، ولم يفقد صلى الله عليه وسلم الرحمة والروية، ولم يتوجه إلى ربه إلا بدعاء الخير لهم؛ عسى أن يبقى فيهم من الخير بقية، إن لم يكن منهم، فمن النسل والذرية، ولكنه عليه الصلاة والسلام دعا ربه دعاء المستيئس المفلس، وبث في دعائه الشكوى والشجون، ولواعج فؤاده المحزون، فقال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قُوَّتي، وقِلَّةَ حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني... إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك». إذًا، أسرى به السميع البصير، الذي سمع ورأى، سمع دعوته ودعاءه وضراعته، ورأى حاله وابتهاله وطاعته، فواساه بالإسراء وإمامة الأنبياء في الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، وهناك أراه الله من آياته الكبرى، فبدَّد حزنه وأبدله سرورًا وحبورًا. 2 / 2 إنّ هذه اللطيفة، تقودنا إلى التأدب مع الله البصير، فنستشعر المراقبة، ونشدّد المحاسبة، ونعلم علم اليقين أنه سميع لهمسنا، بصير بحركتنا، في ليلنا ونهارنا، فلا يجوز أن نجعل الله أهون الناظرين إلينا، فمعلوم أنّ البشر إذا علموا أنهم تحت السمع والتنصت، اتزنوا واتسقوا بالأقوال والأفعال، وإذا علموا أنهم تحت مراقبة غيرهم من البشر، تصنّعوا الالتزام والنظام، ونفذوا الأوامر، وحادوا عن الزواجر، ولكن الحقيقة، أنّ رقابة البصير علينا لا تتركنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك ولا أكثر، ترى منا الظواهر، وتكشف البواطن، وتعلم جهرنا والمكامن، ورغم ذلك، فإننا نتمادى في التردي في دركات الآثام، وفي التعدي على حدود الملك العليم العلام، فسبحانه ما أوسع حلمه ورحمته. وأخيرًا، فالذي سمع نبينا وأبصره، هو الله الذي يسمعنا ويبصرنا، فأولى بنا من مراقبة الناس مراقبة الله، والاهتداء بهداه، والسعي إلى رضاه، فبذلك نستقم ونرتقي نحو ما هو أفضل. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com

جميل يحب الجمال

إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...

الرفق بالحيوان

في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...

في صحبة الحميد

اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...

المرأة قائدة ورائدة

منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

جوهرة التاريخ والحضارة

حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...

الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية

إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...

ظاهرٌ باطنٌ

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...