


عدد المقالات 369
وقفت بصفة خاصة في المؤتمر الصحافي الأول لرئيس الوزراء الجديد عبدالله حمدوك عند ملاحظة مهمة ورأي سياسي ذي صلة بالملاحظة، لكنهما وردا في حديث د. حمدوك متباعدين، رغم ما بينهما من ربط وثيق، فاختلت المعادلة. الملاحظة التي أوردها رئيس الوزراء هي «منذ الاستقلال لم ننجح كسودانيين في خلق المشروع الوطني الذي يوحدنا كلنا»، وهي حقيقة يكملها ذكر ما حال دون تحقيقها. جاء إكمال المعادلة في ثنايا العبارة الجامعة التي قالها رئيس الوزراء في سياق آخر: «الديمقراطية لا يمكن تعلّمها من خارج ممارستها». عند الربط بين الملاحظة وهذا الرأي الذي يجمع بين السياسة والفكر ندرك أن الذي أعاق تحقيق المشروع الوطني الموحد للسودانيين هو انقطاع هذه التجربة التي تنضج وتكتمل من داخلها، فنخطئ ونصيب لنتعلم ونرتقي، أي أن (نقع ونقوم في الدرب ده)، كما قال حمدوك وهو يشرح فكرة تعلم الديمقراطية من خلال الممارسة. إن التأكيد على ضرورة التعلم من خلال الممارسة يعني بكل تأكيد أن الانقلابيين الذين قطعوا استمرارية التجربة قد ارتكبوا في حق الوطن خطيئة لا تغتفر، وأنهم هم الذين أعاقوا خلق المشروع الوطني الذي تحدث عنه رئيس الوزراء، لكن رغم وضوح هذه الحقيقة الناصعة، نجح الانقلابيون من اليسار واليمين في تغبيش الرؤية، فجعلوا نصيب الأحزاب الجماهيرية الكبيرة المرتضية بالديمقراطية مساوياً لنصيب الانقلابيين في تعطيل المشروع الوطني الكبير. كانت البداية أن أشاع الانقلابيون من اليسار واليمين -بكل صلف- امتلاكهم أفكاراً متقدمة تعجز عن استيعابها الأحزاب الرجعية الطائفية، حسب وصف العقائديين لتلك الأحزاب. وسخّروا لهذه الدعاوى حملات إعلامية ضخمة حتى بدا للكثيرين أن الأحزاب الكبيرة الموصومة بالطائفية تدير البلاد بـ «دراويش» تأتي بهم من الموالد والتكايا. ولما فشل الانقلابيون فشلاً ذريعاً في تقديم بديل للحكم الديمقراطي وولغوا في الفساد والدم، سارعوا بلا أدنى حياء للفرية العجيبة أن كل القوى الوطنية شريكة في مصيبة السودان! فكان هذا الخلط المضلل سبباً في المساواة بين المؤمنين بالديمقراطية والمتنكرين لها، ومن ثم في تراجع حقيقة أن الديمقراطية -بطبيعتها الرحبة- هي النظام المؤهل لأن يتخلق داخله المشروع الوطني الكبير. لا بد أن تجد الأجيال المتأخرة تفنيداً للدعاوى التي ساقها الانقلابيون لتبرير إقدامهم على الإطاحة بالديمقراطية، ويكون ذلك بالمقارنة بين أخطاء النظام الديمقراطي وما وقعت فيه الأنظمة المستبدة من أخطاء أخطر حين عمدت إلى ما اعتبرته تصحيحاً لأخطاء النظام الديمقراطي. لعل أبرز دعاوى الانقلابيين في مايو 1969 لتبرير انقلابهم القرار الخاطئ بحل الحزب الشيوعي في الديمقراطية الثانية. ويفنّد هذا الادعاء أن الحزب الشيوعي قد استطاع تجاوز قرار حله بالاستفادة من تدابير الديمقراطية، فالتف على القرار وجعله كأن لم يكن، موظفاً أجواء الديمقراطية من حريات مكّنت الحزب من إدارة معركة مضادة خارج الجمعية التأسيسية أفرغت قرار الجمعية من مضمونه. وليس أدل على ذلك من أن السكرتير العام للحزب الشيوعي (المحلول) عبد الخالق محجوب قد فاز في انتخابات عام 1968 رغم قرار الحل. ولم يكن قرار المحكمة الشرعية بردة الأستاذ محمود أقوى أثراً من قرار حل الحزب الشيوعي، لكن ماذا حدث لعبد الخالق ومحمود محمد طه في عهد التقدمية والأفكار الحديثة؟ لقد أعدم الرجلان في العهد الذي راهنا على أفضليته، غير منتبهين إلى أن النظام المتنكر للديمقراطية لا يمنح مساحة للاختلاف، فهو نظام أحادي قد يتحكم فيه تنظيم واحد، بل وفرد واحد، لا يسمح بصراع الأفكار ولا بتكاملها حتى حول مسألة عادية، دعك عن خلق مشروع وطني كبير يتوحد حوله السودانيون. وبالسيناريو ذاته لاقى د. حسن الترابي من التضييق والإساءة من أركان النظام الدكتاتوري الذي أتى به، ما لم يجده من خصومه في العهد الديمقراطي. إن فكرة المقال الجوهرية هي أن خطة الانقلابيين مدعي الحداثة للهروب من تداعيات انقلاباتهم المخزية التي قادت خيرة أبناء الوطن للمشانق، هي بذل كل جهد ممكن للمساواة بين أخطاء الانقلابيين القاتلة وأخطاء الديمقراطية التي يمكن تداركها. وهي خطة تؤدي في الخطوة التالية لإظهار الديمقراطية وكأنها لا تتفوق تفوقا بيناً على الأنظمة الشمولية، فيسقط تلقائياً الربط بين تأخّر تحقيق المشاريع الوطنية الكبرى وغياب الديمقراطية، النظام المؤهل دون غيره لإنجاز هذه المشاريع تحت مظلته.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...