


عدد المقالات 315
رُفع أذان المغرب.. ذهب الظمأ وابتلت العروق.. وجاء الاتصال من صديقٍ مفزوعٍ يسألني الحضور إلى المستشفى.. وتحديداً إلى قسم طوارئ النساء حيث يُمنع دخول الرجال. لم تكن الحالة شائعة.. ولادة.. أم حادث سيارة، كانت حالة «اعتداء» كما صنّفتها الشرطة، وضربة كفّ مع بوكس خفيف كما نُعرّفها في قواميس مجتمعاتنا العربية والتي لا يزال الكثير من ذكورها -لا رجالها- يستبيحون «الضرب» لإقناع بناتهنّ وأخواتهنّ وزوجاتهنّ بالعدول عن تصرفاتهن وعن قراراتهنّ. وصلتُ الطوارئ.. فإذا بذلك الصديق يحبسُ دموعه خجلاً منّي.. واستحياءً ممن حوله.. قميصه ملطخ بقطرات دمٍ تزيد من الهواجس ومن التساؤلات.. بكلماتٍ عاتبة على الحياة ولسان ثقيل لا يزال الصيام يُعيق طلاقته.. همس إليّ الصديق قائلاً: «أرجوك.. طمئنيني عن أختي.. إنها في الداخل»، وأشار بيده إلى حاجبٍ زجاجي ثقيل.. لطالما حجب بين ذكرٍ وأنثى.. وبين رجل وامرأة. لم أنطق بكلمةٍ تواسيه.. جُلّ ما أمكنني فعله في تلك اللحظة.. هو تقديم ما تبقى من قارورة مياهٍ أفطرتُ عليها.. هرعتُ إلى غرفتها.. فوجدتها بين يدي طبيبٍ من جنس آدم.. يقرأ نبضها.. ويستشف حالتها. كانت تشبه حورية البحر الثكلى.. اقتربتُ منها وناديتها باسمها.. لم تحرك ساكناً.. فالمهدئ كان كفيلاً بتسكين ما أصابها من ألم جسدي نتيجة «ضربة الوالد».. فيما وجع الروح لم يُسكّنه مهدئ ولم يُعالجه طبيب. انهمرت دمعتها حُرقة على حالها وهي تعود بالذاكرة إلى ذلك المشهد قبل وقوع الحادثة.. حيثُ يُخابر طليقها (.. ) والدها.. ويَسمُّ عقله وصيامه بكلام يؤنب «الفحولة».. ويُظهر ابنته المطلقّة كشُبهة لا يجوز لها أن تظهر مع ذكر أو مع رجل آخر في المجتمع.. وإذا حصل ذلك، فالتهديد والوعيد بنشر الصور والمحادثات الزوجية الحميمة السابقة هو الثمن. زوجٌ سابق لم يمنعه دينه وعرضه في رمضان من صون الحُرمة الزوجية.. وأبٌ غاضبٌ لم يُسَرّ قلبه بزواج ابنته من خسيس هي اختارته.. كما لم يُسعد يومَ طلاقها منه.. وأخ ينتظر خارج الطوارئ شاحباً.. تشتعل بصدره نار العجز عن حماية شابة لا ذنب لها سوى أنها مطلقة.. ولا جُرم عليها سوى سوء تقديرها لمجتمعها ولشهامة من حولها. دقائق.. وتحضر ملاك من جنس حواء بزي شرطية.. تستفسر عن أسباب «الاعتداء» وعن رغبة الابنة في تقديم بلاغ ضد «المعتدي».. ورغم الألم والوجع ارتسمت البسمة الخجولة على ثغرٍ يسيل منه الدم.. وبصوت ضعيف همست المعتدى عليها «لا شكوى.. لا بلاغ.. هذا أبي». نعم.. لقد أخطأ الأب في ضربها.. تماماً كما أخطأت هي حين عاندته واختارت طليقها.. سقطَ الأب في امتحان الأبوة حين ظنّ أن الدلال الماديّ يُغنيها عن كنفه.. تماماً كما سقطت الابنة في امتحان الحرية الاجتماعية والثقة التي أولاها إياها أب يبكي خوفاً وقلقاً على طفلته.. التي أصبحت في عين كل الذكور.. والرجال «مطلقة»!
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة،...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...
هل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في...