(قل هو من عند أنفسكم)(2-2)
31 مارس 2014 , 12:00ص
إن ما خسرته الأمة بسبب غياب ثقافة النقد ربما يفوق ما خسرته على يد أعدائها، وهي مستمرة ومستعدة عبر الأجيال لدفع هذه الفاتورة الباهظة من دمها ومالها ورصيدها النفسي والمعنوي والتربوي، وتكرار التجارب الفاشلة والدخول في الجحر الواحد وتجرع اللدغات واللسعات مرة بعد أخرى.
اللوم الثقيل في كل هذا يقع أولاً على أنظمتنا وحكوماتنا التي تمارس معنا أشد أنواع (التقية السياسية)، فنراهم يجتمعون ويفترقون، ويتوافقون ويتخاصمون، ويتحالفون ويتقاتلون، والشعوب تراقب وتتفرج على كل هذه الأفلام والمسلسلات من على شاشة التلفزيون وكأنها غير معنية به لا من قريب ولا من بعيد.
أعلن السادات لوحده الحرب على إسرائيل وعبر خط بارليف، ثم أوقف القتال بعد النصر المبين، ثم قرر السلام، وشعوبنا كلها مغيبة، بل حتى الأنظمة الرسمية وربما منظمة التحرير ذاتها، ولذلك قاطعوا مصر ثم واصلوها، وكل هذا بلا تفسير ولا تبرير.
وفي الثاني من أغسطس تجتاح القوات العراقية دولة الكويت، وكانوا قبل أيام إخوة أشقاء يتبادلون التهاني والقبلات وقصائد المديح، حتى ظن بعض القادة العراقيين أن الأمر الذي جاءهم بالتوجه للحدود الجنوبية قد يكون مجرد تكتيك لا أكثر، ومع كل تلك التبعات الثقيلة والقاسية بيد أن القيادة العراقية لم تكلف نفسها عناء الكشف ولو عن بعض خلفيات هذه الكارثة التاريخية.
ما الذي جرى؟ وما الذي يجري؟ لا أحد يدري، فغاية ما يتقنه المثقف العربي أن يتابع (الأخبار العاجلة) ثم يجلس مع أصدقائه أو مع أهل بيته ليحلل ويناقش، وتكون فرصة لا بأس بها لإضفاء قدر من الحيوية في البيوت والمجالس! أما علماء الدين فربما يكفيهم إصدار الفتاوى وتبرير المواقف طاعة لولي الأمر، ولو اختلف أولياؤنا فيما بينهم فلا بأس باختلاف العلماء تبعا لاختلافهم.
أما الشعوب فهي جاهزة -في الغالب- لتملأ الشوارع بحسب الطلب، وقادرة بسرعة على تغيير قناعاتها وإعادة ترتيب قوائم أصدقائها وأعدائها! فالشعب العراقي مثلاً كان شعباً واحداً في مواجهة (العدو الإيراني) يقاتله ثماني سنوات، وسقط من الفريقين ما لا يحصى من الشهداء أو القتلى، ولم يسجل الجيش العراقي حالة خيانة واحدة من طيار في السماء أو قائد متوغل في عمق العدو بحراً أو براً، مع أن ذلك الجيش العملاق كان فيه السني والشيعي والعربي والكردي والتركماني، فما الذي تغير اليوم لترتفع صور الخميني في الكثير من المحافظات العراقية ومنها العاصمة بغداد؟ وكيف يحظى (قاتل الأسرى العراقيين) بشطر كبير من أصوات الناخبين العراقيين؟ وكيف يستقبل الإيرانيون ويطرد الفلسطينيون والسوريون؟ وكيف تثور المحافظات الجنوبية لمقتل شيعي في البحرين موال لإيران، ولا تثور وهي ترى دماء الحويجة والأنبار وديالى تسيل بالسلاح الأميركي الإيراني؟ أين الصواب وأين الخطأ؟ أين الحق وأين الباطل؟ من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه؟ هل هذا من ظلم الحكومات لشعوبها؟ أو هو من ظلم الشعوب لنفسها؟ وإذا لم نتفق نحن اليوم على الجواب فكيف بالأجيال التي سوف تأتي لتقلّب هذه الصفحات والعناوين بحسب ما سطرته أقلام هؤلاء العلماء والشعراء والصحافيين بقليل من الإنصاف والكثير الكثير من الهوى والأمزجة المتقلبة والأقلام المستأجرة.وإذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى، إلى أولئك الذين تبنوا مشاريع التغيير والإصلاح، وشكلوا بجماعاتهم وأحزابهم وتياراتهم ما يمكن تسميته بالمعارضة الرافضة أو الثائرة، فإن الصورة الكلية لا تكاد تختلف كثيراً، فهناك طاعة (أولياء الأمور) واجبة بحكم (السلطان) أو (الشوكة) وهنا واجبة ومقدسة بحكم (البيعة)، وهناك النقد يضر بمصلحة (الدولة)، وهنا يضر بمصلحة (الجماعة)، وهناك المساءلة والمحاسبة تخدم العدو، وهنا تخدم النظام وأجهزته الأمنية! وباختصار فإن حالة (الطوارئ) و(الأحكام العرفية) لم تعد أداة من أدوات السلطة القمعية فحسب بل غدت ثقافة مجتمعية واسعة.
في أفغانستان كانت الأمة كلها تقف خلف (الجهاد الأفغاني) لمواجهة (الحكومة الشيوعية) المدعومة من السوفيت، ثم ما لبث الجهاد أن انقسم على نفسه وراح شقّه الأكبر يتحالف مع (الغرب الكافر) لمقاتلة شقه الآخر، فانتكست التجربة كلها وتهاوت.
وفي السودان كان الإسلاميون (يجاهدون) لمكافحة الظلم والجهل والفقر، فلما وصلوا إلى السلطة انقسموا على أنفسهم ثم انقسم السودان نفسه، وزادت البلاد فقراً وجهلاً وعزلة.
وفي فلسطين انقسم (الفدائيون) و(رفاق السلاح) إلى مقاوم ومفاوض، ثم تقاسموا الأرض (المحررة) نفسها بين (حكومة الضفة) و(حكومة غزة)، ثم يتساءلون لماذا يخفت اليوم وهج القضية (المركزية) في ضمير الأمة؟
والحالة العراقية لا تدري من أين تمسكها، فكل ثلاثة حزب، وكل حزب يرى في نفسه أنه المؤهل الوحيد لتحرير البلاد وإنقاذ العباد، وكل من عداه منشقون وأصحاب مآرب مدسوسة ونوايا مشبوهة، مع أنهم لو اجتمعوا كلهم على قلب رجل واحد لما تمكنوا من معالجة كل تلك المعضلات والتحديات الجسام.
بعد كل هذا جاءت تباشير الربيع والانتخابات (الديمقراطية) فيصعد مرسي رئيساً لمصر وبراية لافتة وشاخصة، ثم يمارس صلاحياته بإقالة وزير الدفاع، وتعيين (السيسي) مكانه، والسيسي هذا ليس قائداً عسكرياً من صنوف الميدان (البرية أو البحرية أو الجوية) بل هو قائد (المخابرات الحربية)، ويقال: إن الرئيس مرسي قد نصحه بعض المقربين أن هذا الرجل لا يمكن الاطمئنان إليه، لكنه أجابهم بأنه يعلم عنه ما لا يعلمون، فوقع ما وقع، وراح مرسي إلى السجن وراح السيسي يشق طريقه نحو حلمه القديم (رئاسة مصر)، وهي تجربة قد لا تختلف كثيرا عن تجربة الإخوان مع جمال عبد الناصر! لكن نتائجها ربما تكون أقسى على مستقبل الجماعة وعامة (الإسلاميين)، وأما الجماعة الإسلامية الثانية (حزب النور) فلها قصة أخرى، فهم سلفيون عقيدة وبراجماتيون سياسة، لكنها براجماتية هزيلة قد تودي بهم كبشاً ثانياً على مذبح الديمقراطية الجديد، أما مؤسسة الإفتاء فقد أبدعت مصطلحاً جديداً يختصر المأساة من أولها إلى آخرها (اضرب بالمليان) هذا يكفي.
ألا تستدعي كل هذه المصائب أن تقف ولو جماعة واحدة لتقول لأمتها: هذا كشف حسابنا وتلك قائمة أخطائنا، لماذا لا يذكر الأخطاء إلا المنشق أو المخالف؟ أين التربية القرآنية التي تخاطب أفضل البشر بعد الأنبياء بهذه الكلمات (فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ) آل عمران152، وكل هذا بسبب نكسة قتل فيها بضع عشرات! فهل يصح أن نبقى نغمض عيوننا ونسد آذاننا حتى إذا وقعنا في الهاوية قمنا نلتمس الأعذار والمبررات، وبعد هذا تلاحق من شذّ منّا (مقصلة التصنيف) التي لا تسمح أبدا بأية قراءة تحليلية منصفة ونافعة، فأنت (إرهابي) أو (متعاون مع الإرهاب) لو انتقدت رجال الأمن وهم يضعون رصاصاتهم في صدور المساكين والمسكينات، وأنت من (جوقة الأنظمة) و (وعاظ السلاطين) لو انتقدت أداء المعارضة وتجاربها الفاشلة والمخيبة للآمال.
إن الأمة كلها بأنظمتها وشعوبها ومؤسساتها وفعالياتها المختلفة ستبقى في هذا التيه، والدوران في الحلقات المفرغات والفارغات، ما لم تمتلك شجاعة النقد والمراجعة بحيث تتحول عندنا إلى ثقافة واسعة يمارسها التلاميذ في مدارسهم والأولاد مع آبائهم وأمهاتهم، والأتباع مع قادتهم وأمرائهم، وأن تكون مظهراً من مظاهر الشجاعة والقوة وليس علامة على الضعف والهزيمة، وأن تكون دليلاً صادقاً على المودة وسبباً لها، وليس مدعاة للتنافر والتباغض وسوء الظن.