alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 113

رمضان شهر الذكر

30 مارس 2024 , 10:57م

يُعد شهر رمضان الكريم شهراً استثنائياً، فهو شهرٌ مبارك تفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُضاعف فيه الحسنات، وتمحى فيه السيئات، وإن عبادة الذكر من أفضل العبادات في كل وقت وحين، فهي سهلة الممارسة عظيمة الأجر، وقد ورد في فضل تلك العبادة الآيات والأحاديث الكثيرة، فكيف إذا كان ذكر المسلم لربه بلسانه وقلبه في شهر رمضان الذي تتضاعف فيه الحسنات والأجور، وذكر الله تعالى في هذا الشهر يحفز العبد ويقويه على أداء بقية العبادات والزيادة من الطاعات التي تقربه من الله تعالى، فالذكر المتواصل يعزز إيمان العبد ويقوي صلته بخالقه. الذكر من أفضل القربات إلى الله (عز وجل)، وقد مدح الله تعالى الذاكرين كثيراً وأثنى عليهم ثناءً عظيماً، فالذكر من خير الأعمال وأفضلها عند الله وأزكاها، وللذكر فضائل كثيرة وفوائد عظيمة ينالها الذاكرون الله كثيراً والذاكرات، إذ أن الذكر هو المقصود الأعظم من العبادات، فما شرعت الصلاة إلا لذكر الله سبحانه، وقد ورد فضل الذكر في مواضع كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 41 - 43]، وقال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِ ﴾ [طه:١٤] (1). وفي الحديث القدسي، يقول سبحانه وتعالى: « أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري]. والذكر حياة للقلوب، به تسعد النفوس وتُزهر الحياة، إنه حياة وفقده موت، وإن حياة الذاكرين نور يتلألأ، فالذكر منزلة من منازل هذه الدار يتزود منه الأتقياء ويتجرون فيه، إنه قوت القلوب، متى فارقها كانت قبوراً، وهو عمارة فإذا تعطل الذكر في القلب كانت عمارته بوراً، فالقلب الذاكر لا يخشى غماً ولا يشكو هماً، ولا يصيبه القلق مادام قرينه ذكر الله (2)، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، والذكر علامة خشوع القلب وتواضع العبد للحق، فهو يطهر القلوب من أدران الكبر والفسوق والعصيان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]. وإن ثمرات الذكر وفوائده، تحصل بكثرته، وباستحضار ما يقال فيه، وبالمداومة على الأذكار المطلقة والمقيدة، وبالحذر من الابتداع فيه (3)، ومن جمال هذه العبادة أنه لا يشترط فيها وقت أو حال يكون عليه المؤمن، بل تكون في كل الأوقات والأحوال والأزمنة والأمكنة، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ [الأعراف: 205، 206]، وقال سبحانه: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ [طه: 130]. وفي الدلالة على فضل الذكر في التقرب إلى الله سبحانه، ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله)) [رواه الترمذي (3377)]. ولأن رمضان موسم الخيرات، وميدان التنافس في القربات، ولأن ذكر الله عز وجل من أعظم ما يتقرب العبد إلى ربه، فينبغي للمسلم وهو يتقرب إلى مولاه في هذا الشهر المبارك أن يرتبط بذكر الله تعالى قائماً وقاعداً، ماشياً وراكباً، يحفظ الأذكار المأثورة، ويحفظها أسرته وأولاده، فتقترب منه الملائكة، وتبتعد عنه الشياطين، فالذكر تجارة رابحة عظيمة الأجر، تزكي نفوسنا وتطهرنا من الذنوب والخطايا (4). المراجع: 1. مجالس رمضان شهر الذكر، للشيخ أحم فريد، موقع اسلام ويب: https://audio.islamweb.net/audio/ 2. بيوت رمضانية، د. حسن بن محمد آل شريم، (دار ابن الأثير)، الطبعة الأولى 2006، ص35. 3. دروس رمضان، محمد بن ابراهيم الحمد، (دار ابن خزيمة)، ص148. 4. وقفات مع الصائمين، فالح بن محمد الصغير، (دار العاصمة للنشر)، الطبعة الأولى 1997، ص68.

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...

سبيل الرشاد في دعوة مؤمن آل فرعون لقومه

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...

التكبر عن الحق وأثره في حجب القلوب عن الهداية

يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...