


عدد المقالات 369
عندما يتحدث مواطن في ولاية الخرطوم عن مشاكله أو آماله فإنه غالباً ما يتحدث عن أزمة مواصلات خانقة، ويتمنى على حكومة الولاية أن تبني كباري طائرة وأنفاقا جديدة وأن تسمح الدولة باستيراد الحافلات المستعملة لزيادة الأسطول العامل في النقل الداخلي. ويشكو هذا المواطن من عدم وجود اختصاصي نساء وتوليد في المستشفى القريب الشيء الذي يضطره للذهاب مع زوجته للمستشفى الكبير البعيد الذي يقال إن وزارة الصحة الولائية بصدد تفكيكه وتوزيعه على أنحاء مختلفة في العاصمة. ويبدي المواطن رأياً مؤيداً للقرار. وقد يقوده الحديث عن الصحة إلى الشكوى من المياه العكرة التي تتسبب في كثير من الأمراض، ويعجب كيف تفشل هيئة المياه في عملية التنقية البسيطة حسب وصفه، وقد يشكو أحياناً من انقطاع التيار الكهربائي. وكثيراً ما يتحدث بنبرة غاضبة عن الرسوم العالية التي يدفعها لإدارة المدرسة الخاصة التي يدرس فيها أبناؤه، ويصف الوضع بالفوضى ويعزو الحالة إلى الوزارة التي جعلت التعليم الخاص استثماراً تجارياً تقليدياً. وبعد فراغه من الشكوى من ارتفاع رسوم المدارس الخاصة يشكو من ارتفاع أسعار تذاكر الألعاب في الحدائق العامة. وبما أنه مهتم بفن الغناء ويطرب للفنانين الشباب فقد يعرج على المسارح ويشكو من ضيق المسرح الداخلي في نادي الضباط الذي لم يسع جمهور الفنان محمود عبدالعزيز في الحفل الأخير الذي نفدت تذاكره مبكراً. أما في الرياضة فقد يصف مقصورة استاد الهلال بأنها غير مريحة ويهاجم مجلس الإدارة المقصر، وقد يصفه بأنه غير شرعي بعد استقالة أكثر من نصف الأعضاء، ويحار كيف تسمح المفوضية للمجلس بالاستمرارية. هو نمط لحياة حضرية، تتكامل بوجود مسكن ومدرسة ومشفى وأماكن للترفيه ووسائل نقل مريح يتنقل بها المواطن بين مسكنه وعمله والمؤسسات الخدمية التي ترتبط بها حياته.. لكنه نمط غير معمم، بل يمكن بسهولة إيراد أنماط أخرى تختلف جذرياً حتى يشك المراقب في وجود هذه الأنماط المتباينة في بلد واحد. فإذا تحدث مواطنون من أصقاع بعيدة أخرى فإنهم يوردون أمثلة جد مختلفة، وقد يكون ما يشكو منه مواطن الخرطوم حلماً عند مواطن في الريف يتمنى أن يذهب ظمأه بجرعة ماء عكرة من حفير أو ترعة. ولا يرتبط نشاطه الاقتصادي بما يجعل المدرسة والمركز الصحي من اهتماماته دعك عن الاستاد والمسرح، فهو راع تنحصر شكواه في شح الأمطار وفقر المراعي والاحتكاكات الدائمة مع الرعاة؛ حيث يسقط بين الحين والآخر قتلى، ولن تتسلل إلى لغتهم مفردات انقطاع التيار؛ لأنه لم يصلهم ولا أزمة المواصلات في أرياف لا تعرف السيارات، وتزدحم رواياتهم بأخبار عن قتل بعير أو سرقة ثور أو قطيع كامل.. وبدرجة أقل فإن مواطناً من ولاية نهر النيل سوف يتكلم عن زراعة التوم والشمار والبقوليات التي لم تعد تدر الدخل المغري بالاستمرار في الزراعة، وأن رمال الزحف الصحراوي التي كانت قبل سنوات قليلة على بعد بعيد قد وصلت الآن إلى جدران منازلهم. المشروع القومي المشترك ما زال بعيد المنال؛ فالآلام والمواجع مختلفة، وكذلك الآمال؛ ذلك لغياب الفكر الاستراتيجي الذي ينقل الشعب كله وفق خطة مدروسة إلى نمط حياة متقارب جوهره المدنية.. ولعل أخطر ما في التباين بين أنماط الحياة في السودان أن النمط الحضري الذي يفترض أن تتقارب معه الأنماط الأخرى موجود في مدن لا ترتبط بنشاط اقتصادي منتج. نمت بانحياز سياسي من نخب حاكمة ربطت حياتها بالبقاء في المدن فأوجدت فيها أسباب الحياة السهلة فأصبح الرفاه النسبي غير مرتبط بالإنتاج. وكاد يصبح من المسلمات أن النشاط الرعوي مرتبط بمفارقة المدنية حتى صارت صورته التقليدية أنه قطاع منتج اقتصادياً ومتخلف اجتماعياً. وقد رسخت هذه الصورة حتى ظن البعض أن نظائر رعاتنا من منتجي الألبان في هولندا أميون يجوبون مع أبقارهم الفيافي في خلاء فسيح بحثاً عن عشب هنا وهناك.. ولن تتبدل هذه الصورة إلا بظهور ساسة يملكون رؤية واضحة لتطوير وتحديث قطاعات الإنتاج التقليدية فتكون المحصلة النهائية نقل مظاهر وجوهر المدنية إلى الأرياف، بدلاً عن الصورة المقلوبة الحالية التي يتم بها ترييف المدن. فهي مراكز حضرية أنشأتها نخب محدودة الأفق لمقابلة حاجات محدودة تخص هذه النخب، فأصبحت من حيث لا يدري أصحاب النظرة الضيقة أوعية تضيق بالنازحين الذين أحاطوا المدينة بأحزمة عشوائية تحمل ثقافات الهامش. النمط الحضري الموحد يخلق المشتركات المعينة على الحديث بلغة مشتركة وبرامج متقاربة. ولا يعزى التباعد الواقع الآن للاختلافات الإثنية والنعرات القبلية وحدها؛ إذ تلعب الفوارق الثقافية واختلاف مفردات الآلام والآمال الدور الأكبر في إحداث الشقة والإحساس بالغربة بين (مجموعات) الشعب الواحد، فإذا تشابه النمط الحياتي وصب في قالب مدني تتجه كل الوسائل نحوه، فإن ذلك من أقوى أسباب خلق المشروع القومي الموحد.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...