


عدد المقالات 336
إن الظاهرة التي تستدعي الدراسة والتحليل تتلخص في إقبال المسلمين اليوم على شعائر الإسلام دون نظامه العام ومشروعه الشامل لفهم الحياة وإدارتها، وللظاهرة شواهد أكثر من أن تحصى ومنها: 1 - اهتمام المدارس والجامعات الإسلامية بتخريج الأئمة والخطباء وفقهاء الشعائر، والعجز عن إعداد الكوادر القادرة على قيادة المجتمع سياسياً واقتصادياً وتربوياً، مما أدى إلى تكريس ثقافة فصل الدين عن الحياة في مجتمعاتنا الإسلامية، رغم محاولات البعض وبجهودهم الشخصية للانفتاح على التخصصات الأخرى، بينما كان علماء الأمة يرسمون سياسات الدولة وقوانينها وخططها الإدارية ويحلون معضلاتها التفصيلية، ولم تكن الدولة في كل تاريخها بحاجة في كل هذا إلى الخبرات الخارجية. 2 - إخفاق الجماعات الإسلامية الشمولية وأحزابها السياسية في إقناع الأمة بمشروعها، بل وحتى في إقناع المتدينين وطلبة العلم الشرعي، ومن المفارقات الغريبة أن هذه الأحزاب نجحت إلى حد ما في المجتمعات التي تقل فيها مظاهر الالتزام الديني كماليزيا وتركيا، بينما أخفقت في باكستان وأفغانستان رغم شدة التمسك بالشعائر والمظاهر الدينية! وكأن المجتمعات المتدينة تدينا شعائريا تكون أقرب للدعوات العلمانية منها إلى الإسلامية. 3 - اقتصار الأوقاف الإسلامية اليوم في الغالب على الشعائر، فأموال الأغنياء المتدينين غالبا ما توقف على بناء المساجد، أما الأوقاف العلمية أو التربوية وحتى الإنسانية فهي ضعيفة ومحدودة جدا، بينما كانت أوقاف المسلمين أيام العباسيين مثلاً تدخل في أحشاء المجتمع كله، ووصلت إلى حد الوقف على رعاية الحيوانات المريضة والمعاقة ووقف الأواني المكسورة! أما الوقف على المدارس والمشافي والأيتام ونقاط استراحة المسافرين فأكثر من أن يحصى، وهذا لوحده يؤشر بوضوح على تراجع الوعي في فهم رسالة الإسلام لدى عامة المسلمين اليوم. 4 - قصور العمل الإسلامي في الغرب عن تحقيق مصالح الجاليات الإسلامية هناك، وقد يصل هذا القصور إلى حد الفشل إذا ما قورن بالأقليات الأخرى خاصة الأقليات اليهودية رغم الفارق الكبير بين نسبة المسلمين ونسبة اليهود هناك، فبينما ينجح اليهود في حشد أنفسهم للمشاركة الفعّالة في الحياة السياسية والاقتصادية لم ينجح المسلمون في الغالب إلا في حشد جماهيرهم لصلاة الجمعة والعيدين، وقد حدثني أحد الأصدقاء في السويد أن الحكومة السويدية تتعجب من عزوف المسلمين حتى عن مجرد الاطلاع على القوانين السويدية والتي قد تكون في خدمتهم مثل وجود ميزانية سنوية في الدولة لتحسين صورة الأقليات الدينية ونشر ثقافتها الخاصة والترويج لرؤيتها في التعايش وخدمة المجتمع! 5 - والأخطر من كل هذا هو تأثر السلوك الفردي بهذه الظاهرة إلى الدرجة التي مسّت كل مفاصل الحياة، وربما شكلت انتهاكاً لمبادئ الإسلام نفسه، ولننظر في هذه النماذج المتكررة في حياتنا اليومية: أولا: تدني ثقافة الانسجام داخل المجتمع المسلم، فعلى مستوى الأسرة هناك مؤشرات خطيرة لازدياد معدلات الطلاق حيث تجاوزت في الكثير من البلدان خط الـ%30، وعلى مستوى العلاقة بين أبناء الحي الواحد فإنك قد تجد الجار لا يعرف اسم جاره ولا أي شيء عنه، وانتقلت هذه الظاهرة إلى المصلين في المسجد الواحد والذين يلتقون خمس مرات في اليوم ويقفون القدم بالقدم والكتف بالكتف بيد أن الكثير منهم لا يعرف اسم الواقف بجنبه! وكذلك قل في الحجيج وهم يطوفون بالبيت ويقفون على عرفات، وهذه المناسك يفترض أنها تصهر هؤلاء في بوتقة واحدة لكن الذي يحدث هو حالة من السلبية والتوجس وانغلاق النشاطات والفعاليات المختلفة في إطار الانتماء القطري أو الفئوي. ثانيا: الجرأة على أكل حقوق الآخرين وأكل المال الحرام، فإنك ترى بعض الحريصين على صلاة الجماعة أو تكرار العمرة لا يتورع عن تأخير مستحقات سائقه أو خادمته في البيت لأيام طويلة وربما لشهور دون إذن منهما، وهذا المال قد اختلط بماله فهو يأكل ويطعم أهل بيته من هذا الخليط، وهناك حالة المماطلة في أداء الدَين حتى صار شائعا التواصي بتركه من الأصل لأنك قد تخسر مالك وتخسر المدين قريبا أو صديقا، وأما استخدام الكذب والغش والنكول في المعاملات المالية فهو أكثر من أن يحصى، وقد لا يكون هناك كبير فرق في هذا بين المجتمعات المتدينة عن غيرها. ثالثا: ضعف الإتقان في العمل حتى لو كان مصدر الرزق، وحتى لو تعلقت به أرواح الناس كعمل الأطباء ومقاولي البناء.. إلخ وأذكر أحد الأطباء كان يقول: إني لا أجد وقتاً لقراءة وردي من القرآن إلا في المستشفى! وقد سمعت طبيباً يقول لمراجعيه في المركز الصحي: لماذا تأتون في كل شيء للأطباء؟ عندكم العسل والزنجبيل وحبة البركة وزيت الزيتون! ومؤسف حقاً أن نرى البنايات السكنية في أوروبا وهي مرقمة بتواريخ تعود إلى نحو مائة عام وما زالت صالحة للسكنى وكأنها جديدة، ثم نسمع أخبار انهيار البنايات الجديدة في بلادنا على رؤوس ساكنيها، وقد وصلت خطورة هذا التهاون في إتقان العمل إلى المعلمين والمربين وربما القضاة والمفتين! رابعا: النظافة، وهي التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان) لكنك تجد المسلمين اليوم يتهاونون بهذا الشطر، وقد رأيت في أكثر من بلد أوروبي أنهم يأنفون من السكنى في بعض الأحياء أو البنايات التي يكثر فيها المسلمون بسبب المظاهر الكريهة والمزعجة، والأغرب من هذا ما تراه من تناقض لدى الحجاج والمعتمرين من تعظيم للحرم إلى حد البكاء ثم تجدهم يتركون مخلفات طعامهم هناك وفي الطرق المحيطة وأماكن النسك الأخرى خاصة منى وهي مظهر لا أود لغير المسلمين أن يشاهدوه، وقد زرت مرة غار حراء ذلك الغار الذي كان نقطة الالتقاء الأولى بين الأرض والسماء، لكني حزنت كثيرا لأكوام القمامة على حافتي الطريق. إن هذه النماذج والصور القاتمة وإن كانت لا تصلح للتعميم على كل المجتمعات الإسلامية، لكنها ظاهرة شائعة ومنتشرة وخطورتها تكمن في اقترانها بمظاهر التدين والسلوك التعبدي، ومن ثم كان لا بد من تفكيكها وإرجاعها إلى أسبابها ودوافعها، وهذا يتطلب جهداً معرفياً ضخماً تقوم به مؤسسات علمية رصينة وجادة، وإلا فإن الكثير من جهود الإصلاح والعمل الفردي أو الجماعي ستضيع في هذه الدوامة، والرجوع بعد كل شوط وتجربة إلى المربع الأول. إن مسؤولية العلماء ليست في حل عبارات الأولين، بل في حل مشاكل الحياة التي نعيشها اليوم، هذا هو العلم النافع والذي يقربنا من الإرث النبوي، وقد كانت تلك وظيفة الأنبياء -عليهم السلام- أنظر ماذا يقول القرآن على لسان يوسف-عليه السلام-: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف 55 ثم يقول عنه: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) يوسف 76، والذي يتتبع موارد كلمة العلم في القرآن الكريم يجدها مقترنة بفقه الحياة وإدارة المجتمعات أكثر بكثير من اقترانها بفقه الشعائر، والعالم الذي لا يفقه الحياة لا يمكن أن يساهم في إدارتها وحل أزماتها، بل سيكون هو بنفسه جزءا من المشكلة، وهذه إحدى أهم معضلاتنا اليوم.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...