


عدد المقالات 336
من كل فج عميق توافد ضيوف الرحمن يلبون نداء ربهم «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً»، قدموا من الحواضر العامرة ومن القرى النائية، من سفوح الجبال ومن بطون الوديان، من سواحل البحار ومن ضفاف الأنهار، اجتمعوا في بقعة واحدة، يطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة، يقفون على عرفات ويبيتون بمزدلفة ثم ينحدرون إلى منى لرمي الجمرات، مناسك موحّدة ومتسلسلة، كل منسك يقودك إلى المنسك الذي يليه، كل ذلك في أيام معدودات لكنها في ميزان الله تعدل عبادة العمر كله، فأنت تصلّي كل يوم خمس مرات طيلة حياتك لتؤدّي ركناً واحداً من أركان الإسلام اسمه الصلاة، وتصوم رمضان من كل عام طيلة حياتك أيضاً لتؤدّي ركناً آخر اسمه الصوم، وتزكي أموالك كل عام طيلة حياتك أيضاً لتؤدي ركناً آخر اسمه الزكاة، بينما أنت في هذه الأيام المعدودات تستكمل ركناً كاملاً من أركان الإسلام وهو الحج، وليس عليك بعده شيء آخر إلا أن تتطوّع. هذه المنزلة الكبيرة التي ميّز الله بها هذه الأيام المعدودات تدلّنا بالضرورة إلى حكمة عظيمة وغاية جليلة لا تتحقق إلا في هذه الأيام. لا شك أن التقرب إلى الله تعالى بالحسنات والسعي لتكفير الزلات والسيئات هو غاية المسلم في كل عبادة، وهذا هو الذي يستحضره الناس عادة وهم يؤدّون ما افترضه الله عليهم، لكن كثيراً منهم يغفل عن معرفة السبب الذي ارتبط بهذه العبادة أو تلك حتى كانت الطريق الأقرب لتحقيق هذه الغاية، فالثواب الجزيل من الله تعالى على عمل ما لا بد أن يكون لميّزة جليلة في ذات هذا العمل، كما أن الوعيد بالعقاب الشديد على عمل ما مؤشّر على وجود ضرر كبير يتناسب مع كبر العقوبة. إن الشكوى المستمرة من تعاظم ظاهرة التديّن الشكلي الذي يدفع بالناس للازدحام في المناسبات الدينية، مع ضعف في ثقافة الانسجام وتهاون في أداء الحقوق، ربما يرجع إلى هذه الثقافة المشوّهة التي جعلت الناس يفكّرون بتكثير الحسنات دون النظر إلى تحقيق مقاصد هذه العبادات في حياتهم وتعاملاتهم. ومن أغرب ما سمعته من أحد الإخوة الدعاة وهو يحاول أن يحلل هذه الظاهرة الخطيرة، قال: «إن المتديّن اليوم يدفعه تديّنه للسلوك الخاطئ الذي نراه في معاملاته لأنه يعتقد أن كل ما يرتكبه من أخطاء وسيئات سيمحى عنه بهذه المناسبات مثل الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، وصوم عرفة، وتكرار الحج والعمرة.. إلخ، إنه يفهم قوله تعالى «إن الحسنات يذهبن السيئات» فهماً مقلوباً، فحسناته التي ينتظرها على حجه وعمرته وصومه وصلاته تشجعه على ارتكاب مزيد من الأخطاء بحق الآخرين»! إذا كان هذا التحليل مصيباً فهو يعبّر -لا شك- عن مصيبة كبيرة في السلوك الديني المعاصر، ربما نحتاج إلى تفكير طويل لتشخيصه وملاحقة آثاره الخطيرة في مجتمعاتنا، وعلى مختلف الصُّعُد. إن منظر المسلمين في هذه الأيام المباركة وفي مثيلاتها من أيام الخير وهم يتنافسون في أداء شعائرهم ومناسكهم منظر مبهج، لكن هذا الابتهاج لا يعفينا من مسؤولية العمل على تصحيح الصورة وتصويب المسيرة.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...