


عدد المقالات 369
في تسجيل مصوّر بدا لي أنه سابق لاختياره وزيراً للعدل، شاهدت الدكتور نصرالدين عبدالبارئ يقدّم رؤيته لدولة المواطنة التي يسمّيها أحياناً في محاضرته «الدولة غير الانحيازية». شدّد المحاضر على ضرورة عدم انحياز الدولة إلى أي من الهُويات المتعدّدة؛ حتى يكون كل أصحاب الهُويات متساوين في الحقوق والواجبات في دولة تتجانس مكوّناتها. وهو منطلق صحيح يكتسب أهمية إضافية في هذا الظرف الذي نتطلع فيه إلى استرداد الديمقراطية كاملة؛ لكن أستاذ القانون الدولي انطلق من هذه القاعدة ليقدّم فهماً غير صحيح لمعنى الانحياز الإثني، وذلك حين انتقد دساتير السودان السابقة بوصفها منحازة إلى إثنية معينة -حسب رأيه- ليقع المحاضر في خلط يقع فيه بعض المثقفين وكثير من العوام حين لا يميّزون بين العرقية العربية التي لا يجوز تمييزها في الدستور -وهو ما لم يحدث في أي من الدساتير السودانية- واللغة العربية، التي عدّ المحاضر اعتمادها في الدستور لغة رسمية للدولة انحيازاً إلى العرقية العربية. اللغة العربية -بوصفها إحدى اللغات الحية- هي العامل الثقافي الأهم والأقوى في صياغة القومية السودانية، ولولاها لظل السودانيون في مجموعات منعزلة يحيط بكل منها لسان مختلف، وما كان للبجاوي والفوراي والنوبي أية إمكانية للتواصل؛ لكن العربية وضعت للسودانيين بأعراقهم المختلفة الأساس المشترك الضروري لخلق وعاء سوداني جامع. هي المشترك الثقافي الأوحد الذي جمع السودانيين، وليس ثمة مقارنة بينها وبين اللهجات المحلية حتى يُقال إن النص عليها في الدستور انحياز إلى إثنية محدّدة، وكأن الدستور اعتمد اللغة النوبية -مثلاً- دون اللغات المحلية الأخرى ذات الأثر المحدود. هذا واقع ثقافي سابق لاستقلال السودان وكتابة دستور الدولة الوطنية؛ فالسودانيون أصحاب الأعراق المختلفة يخاطبون بعضهم بعضاً بالعربية، وكتب المهدي منشوراته بالعربية، وكتب الرمز الوطني الشامخ علي عبداللطيف مقاله التاريخي (مطالب الأمة السودانية) باللغة العربية، رغم أنه لا ينتمي إلى العرقية العربية، في أبلغ مثال على عدم المطابقة بين العرقية العربية واللغة العربية (رمز الثقافة العربية الأبرز). بالعربية كتب خليل فرح النوبي وغنّى «عزة في هواك»، وبها دُوّنت محاضر مؤتمر الخريجين، وبالعربية صدرت صحيفة «حضارة السودان»، لتلعب بعد ذلك الصحافة والإذاعة دورهما المقدّر في الربط القومي، عبوراً إلى كل السودانيين على جسر العربية، فقرأ أهل السودان بمختلف أعراقهم «الرأي العام» في الفاشر وفي كسلا ودنقلا، وتابعوا نشرة الأخبار العربية تبثّها الإذاعة السودانية من أم درمان إلى سودانيين كثر تختلف أعراقهم وألسنتهم. فمن غير العربية الحية يضطلع بهذه المهمة العسيرة؟ وجاء إلى برلمانات السودان نواب من خلفيات مختلفة «يرطنون» مع أهلهم في دوائرهم بلغاتهم ولهجاتهم -بلا قهر ثقافي- وتجمعهم العربية في قاعة البرلمان، ليناقش هاشم بامكار وأحمد إبراهيم دريج وفيليب غبوش خطاب الدورة والميزانية بلسان عربي مبين. الحيوية والثراء اللغوي في اللغة العربية جعلها ضمن ست لغات معتمدة في منظمة الأمم المتحدة. فهل اعتماد العربية والإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإسبانية يعني انحيازاً عرقياً من المنظمة الدولية ضد الألمان والأتراك والهنود وغيرهم من أعراق وقوميات لم تُعتمد لغاتها في الأمم المتحدة؟ بعد أن عدّ الدكتور عبدالبارئ اعتماد اللغة العربية «الحية» مفارقة لأحد شروط دولة المواطنة نسبة إلى ما عدّه انحيازاً دستورياً لإثنية محددة، دعا إلى «إحياء» لغات البجا في شرق السودان والنوبيين في الشمال ولغات غرب السودان والجنوب الجديد وجنوب شرق السودان وتضمينها في الدستور وإدخالها في المدارس الأساسية أداة للتدريس؛ وذلك تجنّباً لما أسماه «التهميش اللغوي». هذه محاولة غير موفّقة لتصحيح ما عدّه الدكتور عبدالبارئ انحيازاً دستورياً. فإذا افترضنا جدلاً صحة رأيه عن الانحياز الدستوري، فإن الدعوة إلى اعتماد لغات أخرى تفتح الباب واسعاً أمام تظلّم مجموعات كثيرة تحتج على عدم تضمين لغاتها في الدستور في بلد يتحدث أهله عشرات بل مئات اللغات. كما أن اعتماد هذه اللغات المحلية لغات تدريس، يكرّس العزلة ويهدم إنجازاً ثقافياً وطنياً عظيماً حققته اللغة العربية بتحقيق التقارب بين أهل الألسنة المختلفة في السودان.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...