الأحد 4 جمادى الآخرة / 17 يناير 2021
 / 
12:20 م بتوقيت الدوحة

ليالي النابغة

د. زينب المحمود
عندما يكونُ الليلُ مفعمًا بالمترفات، فما أَسرعَ انقضاءَه وانبلاجَ صبحه وانكشافَ ظلمائه! أَما عندما يكونُ محمّلًا بالهواجسِ والآلامِ والأَشواقِ والصبابة، فمختصَرُهُ قولُ القائل: «ما أَطولَ الليلَ على مَن لم ينمْ».
لنعد بالزمن إلى ليالٍ حسومٍ، اجتمعَ على النابغة الذبياني فيها ظلامُها ووعيدُ الملكِ النعمانِ، فكان خوفٌ على خوفٍ، ووحشة على وحشة، وظلماتٌ لجّيّة بعضُها فوقَ بعضٍ، ولا ينبّئُك عنها مثلُ خبير بها، عليم بأَحوالِها، ساهر دجاها، حاضر مخاوفَها، حتى أَتى بأَوصافٍ تخيف القارئَ لدى تلقّيها، وينقبضُ منها السامعُ وهو عنها في مأمنٍ من الزمانِ والمكان، يحدثُنا النابغة عن إحدى هذه الليالي التي كان فراشُه فيها القلقُ، ومضجعُه الترقبُ. فيقول:
فبتُّ كأَنّ العائداتِ فرشنَ لي
هَراسًا به يُعلى فراشي ويُقشَبُ
لن ينفعَ النابغة أَن ينامَ على الحريرِ الموشّى إِن كان ضجيعه الأَرق، وسميره الخوف، وصاحبُه الغمّ، فقد بات ليلتَه وكأَن الشوكَ فراشُه ولحافُه، فأَنّى له من سُبات ورقاد؟ وأَصعبُ من الشوكِ أَن تجاورَه أَفعى نحيفة الجسمِ، ناقعة السمِّ كالتي وصفَها بقوله:
فبتُّ كأَني ساورتْني ضيئلةٌ
مِن الرُّقْشِ في أَنيابِها السُّمُّ ناقِعُ
لقد تعاظمَ خوفُ النعمانِ في نفسِ الشاعرِ، واستبدّتْ به الرهبةُ، وهزَّ الرعبُ كيانَه حتى تمثّلَه بالثعبان الذي يأتيه من حيث لا يحتسب، ليوفيَه حسابَه غيرَ منقوص. إِن الخوفَ الذي عاشَه النابغة ليس عن كثيرٍ منا ببعيد، ولكلٍ منّا نعمانُه، ومصدرُ خوفِه، وموجباتُ ترقبِه وتوجسِه، إِلا أَننا نفتقدُ اللسانَ الفصيحَ، والكلماتِ المرنةَ، والريشة الحية التي ترسمُ لنا ذلك الخوفَ تارة على شكل أَفعى، وتارة على شكلِ فِراشٍ من الشوك، ونفتقرُ إِلى عدسة تصِّورُ لنا الخوفَ في أَخوفِ حالاتِه.

اقرأ ايضا

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

برّوا أبناءكم.. تُبَرّوا

20 نوفمبر 2016

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

عالم البوتقة

07 مايو 2017

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018