


عدد المقالات 336
في مشهد صارخ من مسلسل المأساة، عشرات الآلاف من الناس يزدحمون على (حدود بغداد) مهاجرين أو مهجّرين، لاجئين أو نازحين، لم تعد هذه الأسماء ذات قيمة في (العراق الجديد)! خاصة بعد أن رفضت بغداد استقبالهم دون كفيل! في سابقة لم تجرؤ عليها حكومة في العالم غير حكومة بغداد، مع أنهم عراقيون قدموا إلى عاصمتهم وهرعوا إليها بعد أن فشلت هذه الحكومة في حمايتهم وحماية محافظتهم. في الجانب الآخر يتساءل الناس: لماذا لجأ أهل الأنبار إلى بغداد مع أنهم يعرفون حكومتها حق المعرفة ويعرفون كذلك طبيعة الميليشيات والأجهزة الأمنية المتحكمة فيها؟ أي شرّ خلّفوه وراءهم بحيث تصبح بغداد ملجأ ومأوى لهم؟! هل تكفي هنا علامة استفهام واحدة؟ أو أننا بحاجة إلى (غابة من علامات الاستفهام) كما يقول صديقنا الشاعر خضير بن عمير؟ هناك في الأنبار (دولة البغدادي) تمتدّ على مساحة واسعة من أرض العراق وسوريا تشكل بمجموعها مساحة أكبر من (دولة العبادي)! وقد نصّب البغدادي نفسه خليفة للمسلمين، ومدافعا عن أهل السنّة المظلومين، بوجه الأميركان (الصليبيين) والكرد (العلمانيين) والشيعة (الصفويين)! لكن أهل السنّة يهربون من خلافته ودولته إلى كل هؤلاء الذين يحاربهم باسمهم، فقوائم اللجوء على مكاتب الأمم المتحدة وسفارات الدول (الصليبية) ليس لها حصر، وعدد اللاجئين إلى إقليم كردستان بلغ مئات الآلاف وكلهم من المناطق السنّية الخاضعة لخلافته! واليوم يطرق العشرات من الآلاف باب (الصفويين) في بغداد في هجرة جماعية لم تكن تدور في مخيلة أحد! أيام المالكي وقفت (العمائم البيضاء) على منصات الاعتصام لعام كامل تندد بظلم المالكي وتطالب بحقوق السنّة، فهل تتمكن هذه العمائم اليوم أن تقف ساعة واحدة في الموصل (المحررة) أو هيت أو الفلوجة لكي تندد بالعبادي وليس بالبغدادي؟ أيام المالكي تمكن الشيخ عبدالملك السعدي أن يتوجه من الأردن إلى الرمادي ليلقي كلمته وسط الألوف من أهل السنّة ثم يرجع إلى الأردن سالما غانما، فهل يستطيع اليوم أن يكرر هذه التجربة في أي مدينة أو قرية خاضعة لسلطة البغدادي؟ وبالتأكيد ليس معنى هذا أن المالكي أو العبادي أرحم بأهل السنّة من البغدادي، فهذا لا يقوله عاقل، لكنّها الأدوار المرسومة بحسب طبيعة السيناريو زمانا ومكانا. إن أهل السنّة في العراق يدركون أن هذه المعركة ليست معركتهم، بل هي معركة تدور عليهم من أجل استئصالهم ومحو هويّتهم مهما اختلفت أدواتها، إنها مرسومة بحدود لا يمكن للبغدادي ولا للعبادي أن يتعداها، وأياً ما كان الجدل حول هذه الحدود ومن رسمها فإن معطيات الأرض تثبت أن هناك مناطق محددة بالفعل قد وضعت تحت مشروع الحرق والتدمير الشامل، وهي المنطقة الممتدة من الأنبار والموصل شرقا إلى حمص وحلب غربا ومن كوباني والحدود التركية شمالا حتى الرمادي وحدودها مع كربلاء جنوبا. إن مشروع التدمير الشامل هذا يقتضي تسهيل عملية دخول (داعش) إلى أي مدينة تقع ضمن هذه الخارطة كما حصل في الفلوجة والموصل وتكريت وهيت وعنه وراوة وكبيسة والقائم، عدا نقاط التحكم المعروفة كقاعدة الحبانيّة وقاعدة البغدادي العسكريتين والسدّين اللذين يتحكمان بمياه العراق سدّ الموصل على نهر دجلة وسد حديثة على نهر الفرات. البغدادي وهو من مدينة سامراء لم يفكّر بفتح سامراء ولم يجرؤ على ذلك وهي مدينة سنّية وقريبة من تكريت وتقع تحت وطأة الميليشيات الشيعية بشكل مباشر، وتتعرّض لعملية تشييع منهجي ومستمر، لكنه اتجه إلى الفلوجة التي لم يكن فيها شيعي واحد، بل كانت تحت سلطة محلية سنّية بالكامل، فمن الذي فتح له الطريق إلى الفلوجة وسدّ عنه الطريق إلى سامراء؟ الفلوجة اليوم تتعرّض للهاونات والبراميل المتفجرة، وقد خلت من أهلها إلا القليل ممن لا حول لهم ولا قوّة، وهي مقبلة على كارثة أكبر -لا قدّر الله- في حال حصول مواجهة مفتوحة مع الحكومة وميليشياتها وبغطاء جوي من قوات التحالف، إنها ستكون أشبه بالأرض المحروقة سواء كانت تحت حكم العبادي أو تحت حكم البغدادي، وما يقال عن الفلوجة يقال أيضا عن الموصل وكل المدن السنّية الأخرى، فهل كان البغدادي يجهل كل هذا مع أنه شاهد بأم عينيه ما سبّبه هو لمدينة كوباني (السنّية) التي أصبحت كأنها أثر بعد عين؟ لقد خاضت المقاومة العراقية حربا ضروسا مع الجيش الأميركي ولسنوات طويلة دون أن تعرّض مدنها إلى مثل هذا الدمار، فقد كانت المقاومة تعتمد أسلوب الكر والفر وضرب الطرق الخارجية والمعسكرات البعيدة ولا تحتفظ بالأرض مع قدرتها في الكثير من الأحيان على ذلك. أما حكومة بغداد وهي الطرف الثاني في المعادلة والشريك الفاعل في صناعة المأساة فعليها أن تفسّر لنا سرّ قوتها في سامراء، وصمود جنودها الأسطوري في ديالى وجرف الصخر وأبي غريب وغيرها، بينما تنهار فرقها وألويتها العسكرية الكبيرة في الموصل وكل المناطق الغربية والمعابر الحدودية مع سوريا وبدون مواجهة أصلا؟ ثم ما سرّ هذه القدرة على الاحتفاظ بمدينة الرمادي طيلة السنوات الماضية حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه أهل الرمادي رفضهم لدخول الحشد الشيعي فانسحبت السيطرات وانهارت المعسكرات؟ من الواضح هنا أن أهل السنّة يُراد لهم أن يكونوا بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما القبول بداعش ليكونوا بعدها في حرب مفتوحة مع العالم كلّه حتى الأردن والسعودية وتركيا وكردستان، وهذا معناه المحق الذي ما بعده محق والدمار الذي ما بعده دمار، وإما القبول بهيمنة ميليشيات قاسم سليماني تحت اسم (الحشد الشعبي) ليكون العراق كله تحت وصاية الولي الفقيه عراقا شيعيا صفويا فارسيا لا صلة له بعروبة ولا بإسلام. ومن الواضح أيضا أن السنّة قد رفضوا الخيارين معا وبنفس القوّة، وليس أمامهم بعد هذا إلا بناء مشروعهم الذاتي برؤية جديدة ووجوه جديدة تتجاوز كل إشكالات الماضي وتعقيداته، وهذا يحتاج إلى دعم مباشر وكبير من أشقائهم العرب والمسلمين، ليس دعم الزكاة والصدقة، بل دعم المساهمة الجادة في بناء المشروع ذاته. • drmaiash@facebook.com @maiash10
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...