alsharq

محمد يوسف العركي

عدد المقالات 22

حين تختار الحضارات.. لماذا تشير البوصلة إلى قطر؟

31 مارس 2026 , 10:40م

حينما تقرأ أو تسمع عبارة «ضيف شرف» فهذا يعني أن المقصود- دولةً كان أم شخصية- يحمل مكانة تجعل أهل الدار يفتحون له أبواب الفعالية بمفاتيح التكريم. وفي الفعاليات الرسمية بين الدول، فإن هذا اللقب لا يُمنح مجاملة، بل يُعطِي إشارةً واضحةً بأن للمُضيف تقديرًا خاصًا لهذا الضيف وأنه يستحق أن تُعرَّف به الجماهير، وأن تُعرَض تجربته ومنجزاته في صدارة المشهد. والمتابع للساحة الثقافية يلحظ أن قطر كانت ضيف شرف معرض نيودلهي للكتاب في يناير الماضي، وكانت ضيف شرف معرض دمشق للكتاب في فبراير الماضي، وهي كذلك ضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2027. هذه الاختيارات المتتابعة في ثلاث عواصم كبرى، لا تأتي تباعًا إلا بدلالة أبعد من مجرد المشاركة والتكريم. فهذه الدول الثلاث- الهند وسوريا ومصر- ليست دولًا عابرة، بل أعمدة حضارية في تاريخ الكتاب والكتابة. الهند قدّمت للإنسانية نظامًا لغويًا يعد السنسكريتية فيه نسق تفكير قبل أن تكون لغة؛ واعتبرت الكتاب طقسًا لا وعاء معلومات، فزيّنت مخطوطاتها وعطّرتها، ورفعت القراءة إلى مقام الحكمة. أما سوريا، فقد أهدت العالم أول أبجدية صوتية كاملة صنعها الفينيقيون، وحوّلوا الكتاب من نص ديني أو إداري إلى سلعة ثقافية تبحر مع سفنهم في المتوسط، فيما يشبه أول تصور للصناعات الثقافية بمعناها الحديث. ومصر بدورها صاغت الكتابة في هيئة صورة تحفظ الحياة والموت عبر الهيروغليفية، ثم صنعت ثورتها الكبرى حين ابتكرت ورق البردي: أول تكنولوجيا نشر عرفها التاريخ، فغدت حضارة لا تكتب فقط، بل تصنع الكتاب ذاته. وعند التأمل، يتضح أن ما يجمع هذه الحضارات في علاقتها بالكتاب ليس التقنية ولا الأدب وحدهما، بل الحاجة الوجودية: فالهند جعلت الكتابة سلّمًا إلى المطلق، ومصر جعلتها بنية دولة ووسيلة خلود، وسوريا جعلتها لغة للعالم. ثلاث مقاربات لسؤال واحد: كيف نُمسك بالعالم دون أن يفلت منّا؟ وهو لعمري سؤال يبدو شديد الصلة بلحظتنا الثقافية الراهنة. وعودًا على بدء، فإن قطر لم تتعامل مع الثقافة كبرنامج، بل كمنظومة يتنفسها المكان. ففي الدوحة، يتحوّل الكتاب من معروض صامت إلى لغة مخاطِبة، ومن موسم عابر إلى هواء دائم. لذلك لم تعد المعارض الدولية تراها ضيفًا يمر، بل نقطة التقاء تتسع بها آفاقها. فاختيار الهند لقطر لم يكن مجاملة، بل قراءة لدور جعل الثقافة جسرًا عمليًا للتفاهم. وفي الفضاء العربي، بدا أن الدوحة تُشيّد مركزًا يتجاوز خرائطه، فجاء ترحيب دمشق اعترافًا بثقل معرفي يتصاعد، ودور يتقدم في رعاية الحوار والانفتاح داخل المشرق. أما القاهرة، فاختيارها قطر ضيف شرف لدورة 2027 إنما هو امتداد لمسار تتابعه المؤسسات الثقافية: حضور يتراكم، وشراكات تنمو، ورؤية تعتبر الثقافة مشروع دولة لا واجهة بروتوكولية. وهكذا، لم تُختر الدوحة لأنها تطلب المكان، بل لأنها أصبحت مكان المعنى: مدينة تُدار فيها الثقافة بيد هادئة، وعقل مستشرف، ووعي يربط بين الهند وسوريا ومصر بخيط واحد، خيط الكتاب وقد استعاد دوره كجسر حضاري ومساحة لقاء حيّة؛ خيط يمتد من حكمة الهند العميقة، إلى أبجدية الشام الأولى، إلى ذاكرة النيل التي صاغت أقدم مكتبات العالم. منطق: «اختيرت قطر ضيف شرف المعارض الثلاثة لأن الدوحة اليوم لا تحضر الثقافة، بل تُنتِج منطقها». E-mail: arakidoha@yahoo.com

ضبط البوصلة: الدراسات الثقافية وتحولات المجتمع

في حركة سيرنا الحياتي المعتاد كم مرّة تجاهلنا إشارات صغيرة كانت تقول لنا إن شيئًا كبيرًا قادم؟ هذه ليست صدفة، بل أزمة قراءة في واقعنا العربي. فالمعاني لا تأتي دائمًا في وضوح الشمس؛ أحيانًا تختبئ...

بين الوعي والـ «Trend».. معضلة المثقف العضوي

قبل الدخول في ثنايا المقال، لابد من التفريق بدايةً بين المثقف والمثقف العضوي، فالمثقف هو الفرد الذي يمتلك معرفة واسعة ويشارك في إنتاج الأفكار وتحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية غالباً من موقع مستقل أو منصة أكاديمية....

قياس الثقافة... من الإنجاز إلى سؤال الأثر

لا يختلف اثنان على أن مؤشرات القياس هي لغة التخطيط الحديث فهي تمنحنا القدرة على قراءة الواقع واتخاذ القرار. وفي عالمٍ يلهث خلف الأرقام والمؤشرات السريعة، يبرز السؤال المهم: هل تستطيع أدوات القياس المعتادة أن...

معجم الدوحة.. ذاكرة اللغة في زمن الاستشراف

منذ أن علّم الله عز وجل آدم عليه السلام الأسماء كلها، لم تنقطع اللغة عن الوجود، بل تطورت مع تطور الحضارة الإنسانية، فكانت الوعاء الذي حفظ التاريخ والفكر. كل حضارة دوّنت أثرها عبر لغتها، حتى...

القيم الأخلاقية في النشيد الوطني القطري

السلام الوطني أو النشيد الوطني ليس مجرد لحن يُعزف في المناسبات الرسمية للدول، بل هو نصٌ تأسيسي يعبر عن الهوية الوطنية، ويحمل بين سطور كلماته القيم التي تشكّل وجدان المجتمع وروحه. ويبرز السلام الأميري القطري...

الأنساق الثقافية في البطولة العربية

من يتأمل الدوحة هذه الأيام يدرك أن المدن ليست مجرد عمران، بل ذاكرة نابضة تحتفل بالمعنى قبل المظهر. فما إن أسدل الستار على بطولة كأس العالم للناشئين تحت سن 17 سنة حتى انتقلت الرزنامة إلى...

التربية بين الثوابت والتحديات.. قراءة في قرار وزيرة التعليم

في زمن تتزاحم فيه التحديات على الأمم والشعوب تظل قضية التربية هي العماد والأساس فالتنشئة للأجيال مسؤولية الجميع، الاسرة والمجتمع والدولة. وحتى تقوم التربية على بناء راسخ لابد لها من عماد متين وخير زاد هو...

«الهندسة الثقافية في سوق عكاظ»: نظرة عميقة في إرثنا وحاضرنا

صدر مؤخرًا عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع كتاب «الهندسة الثقافية في سوق عكاظ»، وهو أحد ثلاثة إصدارات قيّمة للخبير الثقافي والإعلامي القطري المهندس خالد عبد الرحيم السيد، تم تدشين هذه الثلاثية في الصالون الثقافي...

مقاربات تأصيلية في فن الخط العربي

من أهم معايير استدامة الحضارات عبر التاريخ رسوخ القيم الأخلاقية في بنيانها، وهذه القيم تتجلى في مظاهر مادية ومعنوية، من بينها النقوش والرموز التي تخلد المعاني. غير أن الحضارة الإسلامية تفرّدت بشاهد حضاري فريد هو...

الاستدامة الثقافية.. الثابت والمتغير

رغم أن مفهوم الاستدامة قد يبدو حديثًا للبعض، إلا أن جذوره تعود إلى عقود مضت، حيث بدأ يبرز بوضوح في سبعينيات القرن العشرين، بعد أن ارتبط بقضية التنمية. وقد حظي باهتمام خاص في تقرير «حدود...

الثقافة كناظم لإدارة التنوع في قطر

حين تتجول في أي من المدن القطرية يلفتك مشهد الأمان الاجتماعي الذي ينعكس في الاحترام المتبادل بين المواطنين والمقيمين. وفي ذات المشهد تبرز فسيفساء العلاقات بين المقيمين فيما بينهم على اختلاف ألوانهم وخلفياتهم الدينية والفكرية...

استشراف المستقبل في العمل الثقافي

في خضم تسارع عجلة الحياة اليومية وتلاشي الحدود الجغرافية التقليدية أصبحت مصادر المعرفة والتبادل الثقافي متاحة للجميع، حيث تتأثر ثقافاتنا وتُؤثّر بدورها في هذا المشهد العالمي المتغير. هذه الديناميكية تضعنا أمام تحدٍ كبير الا وهو...