الجمعة 9 جمادى الآخرة / 22 يناير 2021
 / 
06:33 ص بتوقيت الدوحة

التحول الديمقراطي في مصر وأثره على السودان

عادل إبراهيم حمد
يتأثر السودان بحكم موقعه الجغرافي بما يدور في مصر خاصة النواحي السياسية بما يعرف في علم السياسة بالعوامل الجيوسياسية. وإذا أرخنا لميلاد الحركة الوطنية الحديثة في السودان نجد أن جمعية اللواء الأبيض هي أحد المعالم التي يشار إليها كبداية لهذه الحركة. وقد كان أبرز أهداف الجمعية (الاتحاد مع مصر) بعد أن تأثر روادها بثورة 19 المصرية. ولما أسس مؤتمر الخريجين العام في سنة 1938 كان في المخيلة السياسية للخريجين اتفاقية 36 وحزب الوفد وذكرى سعد زغلول والحيوية السياسية في أرض الكنانة. ولذلك كان طبيعيا أن تنشأ تعددية سياسية في السودان قبل استقلاله. بل كان أساس التعدد في الأحزاب الكبيرة هو درجة العلاقة مع مصر بعد الاستقلال. فانقسمت الحركة الوطنية إلى اتحادية تنادي بالاتحاد مع مصر واستقلالية تدعو للاستقلال التام. باندلاع ثورة يوليو المصرية انتهى النظام التعددي في مصر مع احتفاظ الحركة الوطنية السودانية بتعدديتها. ورغم هذا التناقض الظاهري بقي اهتمام مصر الرسمية بالشأن السوداني على ذات الدرجة من الأهمية. لكن اهتمام مصر كان منصبا على إيصال الاتحاديين السودانيين إلى حكم السودان حتى تتحقق فكرة الاتحاد مع مصر. ولذلك تم توحيد الأحزاب الاتحادية في مصر تحت مسمى (الحزب الوطني الاتحادي) وبرعاية من الرئيس محمد نجيب. ولكن الحركة الاتحادية تخلت رغم فوزها بالأغلبية البرلمانية عن فكرة الاتحاد وذلك بعد أن أحس زعيمها إسماعيل الأزهري أنه يسير على طريق قد يقود إلى شرخ في الوحدة الوطنية. خاصة أن نتائج الانتخابات كشفت أن الحركة الاستقلالية تتمتع بأغلبية الأصوات وإن نالت مقاعد أقل. وكان موقف الأزهري منطلقا من فهم ديمقراطي لم يعد له وجود في مصر بعد الثورة. هنا بدأ ظهور التناقضات الجوهرية بين ديمقراطية النظام في السودان وأحاديته في مصر. فلم تقبل مصر الثورة التراجع الاتحادي. يدفعها فهمها الثوري الأحادي. هذا بجانب توجه وصائي يصبغ فهم توجهات كل الأنظمة المصرية تجاه السودان. انعكست أحادية النظام المصري الجديد سلبا على السودان. وذلك بخلقه قابلية لنظام شبيه في جنوب الوادي، خاصة أن الثورة المصرية قد صحبها إعجاب شعبي بعبدالناصر. ولما تخلت الحركة الاتحادية عن فكرة الاتحاد لم تعد مصر تحس بعلاقة خاصة مع أي من القوى السياسية في السودان. ولذا لم تنزعج للإطاحة بالنظام الديمقراطي في نوفمبر 1958. انتهى النظام العسكري في السودان عام 1964 بثورة شعبية ولم يزل عبدالناصر في الحكم. وقد أصبحت الانقلابات العسكرية سمة سياسية مألوفة، إذ لم تكن الديمقراطية راسخة كحالها اليوم. أطيح ببَنْ بَلة في الجزائر وبالديمقراطية في العراق وبالزعيم نكروما في غانا وبموديبو كيتا بطل الاستقلال في مالي. ولذلك كانت ديمقراطية السودان غريبة في المنطقة فلم تعش سوى أربع سنوات. ليطيح جعفر نميري بالنظام التعددي في السودان في مايو 1969 بانقلاب وجد السند المصري. بل إن عبدالناصر زار السودان مرتين بعد الانقلاب رغم قصر الفترة التي عاشها بعد مايو 69. لم يستحسن حينها أنصار الديمقراطية في السودان ما أسموه عدم وفاء عبدالناصر لقادة السودان الذين نظموا قمة الخرطوم التي داوت جراح مصر بعد هزيمة 67. ولكن السياسة لا تدار بمثل هذه العواطف فقد جاء إلى الحكم في السودان (تلاميذ) لعبدالناصر يؤمنون بالفكر القومي ويقاتلون في سبيله. بل إن نظام نميري قد استعار تجربة الاتحاد الاشتراكي المصرية. استمر نظام جعفر نميري من مايو 69 حتى أبريل 86. عاصر خلالها عبدالناصر فالسادات ثم حسني مبارك. فاستمد بذلك نظام الحكم الشمولي في السودان قدرا كبيرا من قوته من تشابهه مع النظام المصري الذي حافظ في جوهره على الأحادية رغم تغييرات شكلية أجراها السادات وسار على نهجها خلفه مبارك. عاشت الديمقراطية الثالثة في الفترة من 1985 العام الذي سقط فيه جعفر نميري وجاءت فيه حكومة انتقالية لمدة عام واحد. ثم حكومة منتخبة حتى عام 89. حين أطاح عمر البشير بالنظام الديمقراطي. وطار على الفور إلى القاهرة ليقدمه الرئيس حسني مبارك إلى العالم وهو لا يخفى فرحته بسقوط الصادق المهدي. وكانت وراء هذا الترحيب المصري عدة أسباب. فقد أسفت مصر لسقوط نميري الذي لا يعصي لها أمرا. وانزعجت من الديمقراطية في السودان. هذا بالإضافة إلى كراهية شخصية متبادلة بين الصادق المهدي ومبارك. ويعود ذلك إلى حساسية تقليدية بين الأنصار في السودان ومصر. واعتقاد أنصاري أن الطيار مبارك قصف (الجزيرة أبا) معقلهم التاريخي في أيام حكم النميري. كما أن الصادق المهدي كان لا يخفي استعلاءه على مبارك. ويطعن في قناة الرئيس المصري، واصفا نفسه بأنه رئيس منتخب. نخلص إلى القول إن مصر رحبت بانقلاب البشير ولم تأسف على الديمقراطية القتيلة. بهذا الاستعراض يمكن أن نلحظ بوضوح أن الديمقراطية في السودان قد تأذت من عدم وجود نظير لها في مصر. وعليه يمكن القول في المقابل إن وجود نظام ديمقراطي في مصر يدعم كثيرا التجربة الديمقراطية في السودان. وها هي مصر -بعد ثورة يناير- تعرف التعددية الحقيقية والانتخابات النزيهة والشفافية واستقلال القضاء. فقد عرف مجلس الشعب قوى سياسية جديدة وانتقل الإعلام المصري إلى خطاب جديد وتمكن القضاء المصري من حل اللجنة التأسيسية للدستور لعدم تمثيلها كافة ألوان الطيف السياسي. وأبعدت لجنة الانتخابات مرشحين رئاسيين كبار لعدم استيفائهم الشروط. هذا تحول مبشر للسودان الذي يصاب بالزكام كلما عطست مصر، ويصح إذا دبت في مصر العافية . ورغم أن النظام الحالي في السودان قد جاء بانقلاب عسكري فإن التحولات الدولية والضغوط المحلية قد أجبرته على إحداث انفتاح سياسي وصل درجة الاعتراف بمشروعية الأحزاب التي انقلب عليها. وما كان للنظام خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل أن ينكص عن خط الانفتاح السياسي وهو محاط بالتحولات الدولية والضغوط التي جعلت الديمقراطية مبدأ أمميا. ولا شك أن الربيع العربي كان له أيضا تأثيره الإيجابي في تعزيز التوجه الديمقراطي في السودان. ولكن أقول بلا تحفظ إن التغيير الذي حدث في مصر كان له التأثير الأقوى. ولا غرابة فقد ظل السودانيون شركاء حتى في المعارك المصرية الثقافية فانقسموا بين (شوقي وحافظ) كل يناصر شاعره ويراه الأحق بإمارة الشعر. وشغفوا بمجلة الرسالة وتأثروا بمدرسة أبوللو. وقرؤوا "أيام" طه حسين وعرفوا صالون العقاد.. هم الذين قال شاعرهم: إنما مصر والشقيق الأخ السودان كانا لخافق النيل صدرا كلما أنكروا ثقافة مصر كنت من صنعها يراعا وفكرا وعليه ينتظر أن تكون مصر الديمقراطية سندا للسودان الديمقراطي. والسودان الديمقراطي سندا لمصر الديمقراطية. وهي مقولة بديلة لأخرى نشأت في ظرف آخر حين حاول الاتحاديون تحوير فكرة الاتحاد: بأن يكون السودان الحر المستقل سندا لمصر الحرة المستقلة. وأن تكون مصر الحرة المستقلة سندا للسودان الحر المستقل.