


عدد المقالات 336
كل واحد من تلك المعطيات ينهض بنفسه ليكون سببا منطقيا لارتكاب الجرائم السياسية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة، وقد حصل هذا مبكرا حينما حاول بنو النضير اغتيال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يبعد عنه محاولات المنافقين للطعن في بيت النبوة وإثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ثم إعلان الردة المسلحة في اليوم الأول من خلافة أبي بكر والذي كاد يودي بالدولة والأمة. أما بعد الاصطدام المسلح مع جيش كسرى فإن خارطة الصراع الكلية قد تغيرت، فنحن أمام معادلة معكوسة أو مقلوبة، فهناك دولة كبرى قد انهار جيشها بيد أنها ما زالت تملك كل أدوات الدولة العميقة في مقابل دولة ناهضة بقوة عسكرية متقدمة لكن مع ضعف في أجهزتها الأمنية وخبراتها الإدارية والسياسية. وفق هذه المعادلة الجديدة فإنه من الطبيعي أن تتجه الأمور وجهة أخرى تعتمد الحرب الخفية الباطنية والمكائد السياسية، وهذا ما تؤكده كل الوقائع التي حدثت من مقتل عمر الفاروق وإلى مقتل الحسين -رضي الله عنهما- ولعلنا من خلال هذه العينات نستطيع أن نسلط الضوء على هذه المساحة الغامضة والخافتة: في مقتل عمر الفاروق -رضي الله عنه- تتردد ثلاثة أسماء: الهرمزان، وجفينة، وأبو لؤلؤة، قال عبدالرحمن بن أبي بكر غداة طعن عمر: «مررت على أبي لؤلؤة ومعه جفينة والهرمزان وهم نجيٌّ، فلما دهمتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل عمر، فجاؤوا بالخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة فإذا هو على الصفة التي وصفها به» الطبري 4/19. أما أبو لؤلؤة فهو عبد مجوسي كان يعمل حدادا ونجارا ونقاشا وقد استغل حاجة الناس في المدينة لهذه المهن فاستثني للاستقرار فيها بخلاف غيره من الغرباء، وقد توعد الخليفة الفاروق قبل أيام من قتله ثم نفذ وعيده، وأما جفينة فهو من نصارى عرب الحيرة المعروفين بولائهم لكسرى وقد قدّم نفسه لسعد بن أبي وقاص كمعلّم للقراءة والكتابة فبعث به سعد إلى المدينة واستقر فيها مع أبي لؤلؤة! وأما الهرمزان فقد كان حاكم الأحواز أيام كسرى وكان قائدا عسكريا كبيرا، ولم يسجل التاريخ الفارسي رجلا أكثر عنادا ودهاء ووفاء لفارس من الهرمزان، فقد قاتل المسلمين في أكثر من وقعة وحتى بعد انهيار جيش كسرى في القادسية، وقد عاهد المسلمين أكثر من مرة ثم غدر بهم، وفي حواره مع الخليفة عمر بعد أسره أبدى دهاء لا مثيل له ومعرفة بعادات العرب وطبائعهم، وقد أعلن إسلامه لعمر فأبقاه في المدينة. إنه لمن المؤسف في تاريخنا أن تجد نقاشا طويلا حول الأحكام الفقهية والقضائية المتعلقة بقيام عبيد الله بن عمر بقتل الهرمزان، وهل كان عليه القصاص أو لا؟ وهل يجوز لولي الأمر عثمان بن عفان أن يفتديه بالدية؟ وما إلى ذلك. ثم لا نجد أي جهد تحليلي لمعرفة الدوافع الكامنة وراء هذه الجريمة الكبيرة! في مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- تظهر مسألة جديدة تكاد تكون المحرك الأول لهذه الفتنة وهذه الفجيعة، ولم يقف عندها علماؤنا ومفكرونا بالقدر الذي تستحق، ألا وهي مسألة (الرسائل)؛ حيث يجمع المؤرخون على أن الحسين حينما غادر العراق واستقر في الحجاز بعد مقتل أبيه وتنازُل أخيه الحسن بدأت تصله رسائل كثيرة من أهل العراق لا حصر لها، حتى أوصلها بعضهم إلى خمسمئة رسالة يؤكدون له فيها عهد عشرات الآلاف له بالسمع والطاعة وأنهم ليس لهم إمام وقد رفضوا بيعة يزيد، وقد ظهرت أسماء كثيرة كانت مهمتهم نقل هذه الرسائل من أبرزهم عبدالله بن مسمع الهمداني وهو شخص غير معروف إلا من خلال هذه المهمة! إن الذي يستدعي الانتباه هنا هو خوف الحسن بن علي على أخيه الحسين من هذه الرسائل! وذلك لا شك بحكم خبرته بأهل العراق، حيث روى الطبري أنه كان يلقي بالكتب التي ترده في مخضب ولا يفتحها فقيل له في هذا فقال: «هذه كتب أهل العراق من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل، أما فإني لست أخشاهم على نفسي ولكني أخشاهم على ذلك وأشار إلى الحسين» صحيح الطبري 4/122. وقد كان موقف علماء الصحابة الكبار كعبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير لا يختلف عن موقف الحسن، فقد قال ابن الزبير للحسين يوم خروجه: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك، وقال ابن عباس لحظة الوداع: أستودعك الله من مقتول. صحيح الطبري 4/118. لقد أدرك الحسين صوابية رأي هؤلاء الصحابة بعد أن واجه أهل الكوفة في الطف فأنكروا رسائلهم، ولحد اليوم لا توجد دراسة علمية رصينة حول هذه الرسائل، وهي ربما لا تختلف كثيرا من حيث المغزى والنتيجة عن الكتاب الذي كان عليه ختم عثمان بن عفان والذي أشعل الفتنة في عهده. وقد أكد أولاد الحسين هذه الحقيقة فقد قالت سكينة بنت الحسين: «يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والنفاق لقد يتمتموني صغيرة وأيمتموني كبيرة -تشير إلى قتلهم لزوجها مصعب بن الزبير بعد فاجعة الحسين- فقتلتم أبي وجدي وعمي وأخي وزوجي، ألا بعدا لكم ولمكركم» تاريخ ابن كثير 8/230، ويقول زين العابدين علي بن الحسين: «هيهات أيها الغدرة المكرة.. أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل» الاحتجاج للطبرسي من علماء الشيعة 2/32. وجاء في رجال الكشي عن جعفر الصادق: «لو قام قائمنا لبدأ بكذابي شيعتنا فقتلهم.. وإن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والذين أشركوا» ص253. وقبل هؤلاء جميعا كان عمهم الحسن يقول: «يزعم هؤلاء أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وأؤمن في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيعوا أهل بيتي وأهلي، ولو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه» الاحتجاج 2/10، وسبحان الله كأنها نبوءة في مصير الحسين الذي لاقاه على أيديهم. إن هذه المقولات تدل بوضوح أن هناك شيئا ما أكبر بكثير من موضوع الخطأ الفردي أو التقصير، وهو ما دفع الحسن للصلح مع معاوية بالفعل، وما دفع الحسين أيضا حيث عرض على أهل الكوفة أن يرسلوه إلى يزيد أو يسمحوا له بالجهاد على ثغر من ثغور الإسلام أو يرجع إلى الحجاز، لكن الشمر أقنع ابن زياد برفض كل هذه المطالب. إن هذه الفتنة لم تقف عند هذا الحد، ففي كل مواجهة حادة تظهر بلبوس جديد لتطعن الأمة في ظهرها أو في خاصرتها، لقد وقف نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي مع هولاكو في تدميره لبغداد، وتحالف الصفويون مع الصليبيين لإجهاض الفتوحات الإسلامية في أوروبا أيام العثمانيين، يقول علي شريعتي: «من القضايا الواضحة وجود نحو ارتباط بين الصفوية والمسيحية حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية» التشيع العلوي ص206. إن ما يحصل اليوم لا يمكن أن ينفك عن كل ذلك التاريخ بعد أن أصبح هوية وثقافة ومحركا محوريا للكثير من السياسات والمشاريع التي نواجهها على مختلف الصعد.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...