alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 02 سبتمبر 2026
العرب ومعركة الحاضر والمستقبل
آمنة النعيمي - باحثة بقسم الدراسات والرصد مركز دعم الصحة السلوكية 03 سبتمبر 2026
حين يصبح المصطلح حجة.. من المفهوم إلى السلوك

الكلمة ومسؤولية المجتمع 1-2

26 أغسطس 2014 , 02:30ص
لا يستطيع أحد أن يخمّن حجم الكلمات التي يتلقاها المجتمع في الدقيقة الواحدة مقروءة أو مسموعة، إنّها تهبط علينا من السماء كما يهطل المطر، وغالبا ما يتّجه الحديث عن مسؤولية الكلمة إلى المصدر من حيث توخّي الصدق والدقة في النقل وما إلى ذلك، ويُغفل دور المجتمع في التمييز والمراقبة والمحاسبة.
إن (الإعلام الحر) هو تماما مثل (السوق الحر)، فالبائع حرّ فيما يعرضه من بضائع وما يستخدمه من دعايات ومحفّزات، وكذلك الكاتب والواعظ والمغرّد، بيد أن المتلقي أو المشتري ما زال يتعامل مع المنتجات المادية بطريقة أكثر جدية وأكثر حرصا من تعامله مع المنتجات الفكرية! إنه مثلا لو قرر شراء قميص أو حذاء فإنه يسأل عن (الماركة) و (المقاس) و (السعر) ويستحضر خبراته الذاتية، ويستخدم مهاراته في (المقارنة) و (التحليل) و (الاستنتاج) ثم (القرار)، وهذا السلوك من شأنه أن يقدّم (تغذية راجعة) تسهم في تشجيع المصانع على تطوير منتجاتها، وتدفع بالأسواق إلى تغيير سياساتها. إن هذا الإنسان الذي تعامل مع قميصه أو حذائه أو قنينة عطره بكل هذه الجدّية لو تعامل بنفس الجدية مع الأفكار الكبيرة والخطيرة التي تمسّ دينه وعقله ومصيره ومصير أهله وبلده لما وصلنا إلى هذه الفوضى الفكرية والثقافية التي تعصف بمجتمعاتنا من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال.
صحيح أن (حريّة التعبير) قد استغلها كثير من السياسيين والإعلاميين والعلماء المسيّسين ومسخوها إلى (حريّة التزوير)، فهم لا يعبّرون عن آرائهم سواء كانت صوابا أو خطأ، وإنما يكذبون على أنفسهم ويقدّمون المعلومات والأحكام والتحليلات بما يخدم أهدافهم لا بما يعكس قناعاتهم، ولكنّ الذي جعلهم يتمادون في هذا هو غياب رقابة الجمهور.
إن الجمهور يشكو من اضطراب الفتاوى وتناقض المعلومات والتحليلات، دون أن يحمّل نفسه أدنى مسؤولية، وغالبا ما يكون العذر: (أننا لسنا علماء ولا متخصصين فكيف نحكم على أهل العلم والاختصاص؟).
في تاريخنا الإسلامي حينما كان المجتمع يعرف دوره وحدود مسؤوليته كان يصدر أحكامه على المختصّين، وقد ظهر مصطلح (تلقته الأمة بالقبول) كمعيار مجتمعي كبير، فالمذاهب الأربعة هم فقهاء وقد ميّزهم المجتمع بالقبول العام عن كل الفقهاء الآخرين وفق ضوابط يملكها المجتمع، وهذه الضوابط هي ليست أدوات الاجتهاد التي لا يملكها إلا المختصّون، بل هي منظومة قيمية معياريّة متفق عليها عند السواد الأعظم من الناس، وقد ميّز المجتمع بين التخصص والتخصص، والعلم والعاطفة، فتراه يقبل الحديث من البخاري ومسلم، ويقبل الفقه من أبي حنيفة ومالك، ويقبل النحو من سيبويه والكسائي، ويقبل السلوك والتربية من الجنيد والمحاسبي، ولا يخلط هذا بهذا، فلقد كانوا يبكون من الخشوع والتأثر الروحي العميق في مواعظ المحاسبي لكنّهم في الفقه لا يسألونه بل يسألون الشافعي وأحمد، وكان أهل بغداد لا يعدلون بالشيخ عبدالقادر الجيلاني أحدا، لكنّ حبهم هذا لم يجعل منه مذهبا فقهيا، بل كان أغلب أحبابه من الحنفيّة والشافعيّة، بينما شيخهم كان حنبليا! ومن اللطائف هنا أن أحمد بن حنبل كان يأخذ الحديث مع الشافعي عند شيخهما الكبير سفيان بن عيينة، ثم قُدّر لأحمد أن يحضر مجلسا أصوليا للشافعي فانقطع له وترك مجلس شيخه سفيان، فعوتب في ذلك، فقال: ما فاتني من صاعد سفيان أجده في نازله، وما فاتني من عقل هذا الفتى لا أجده عند غيره! ومن لطائفه أيضا أنه اختبأ للمحاسبي وهو يلقي مواعظه، ثمّ جاءه تلاميذه فوجدوه قد اخضلت لحيته من البكاء، فلما ذهب روعه نهاهم عن أخذ العلم عنه! إنّ الإمام أحمد هنا يرسم معايير دقيقة تميّز بين علم وعلم كما تميّز بين العلم والعاطفة، وهو نفسه ليس استثناء من هذه المعايير، ولذلك نرى المجتمع الذي وقف معه في محنة خلق القرآن، حتى أصبح من يومها إماما لأهل السنّة والجماعة راح في قصّة عموريّة يحتشد خلف المعتصم لاسترداد الحقوق بالقوّة، مع أن المعتصم كان خصما لشيخهم وإمامهم وسببا في تلك المحنة، إن حبهم لأحمد علما وصلاحا وثباتا لم يمنعهم من حبّ المعتصم أيضا غيرة وشهامة وقيادة، مع ما بين الرجلين من خصومة. 
إن المنظومة القيمية هي ليست آدابا وسلوكيات كما يفهمها البعض، بل هي منظومة معياريّة، لأن القيمة هي المعيار، ومنظومة القيم هي منظومة المعايير، فالصلاح قيمة، والعلم قيمة أخرى، وهكذا القوّة والشجاعة والسابقة والعدل والخبرة والذكاء والاهتمام والحب والاحترام، وهذه كلّها ونحوها كثير ينبغي أن تسلك في شبكة ناظمة وتعطي لكل واحدة منها وزنها المناسب والمختلف زمانا ومكانا وحالا.
إن المجتمع حينما كان يملك هذه المنظومة لم يكن يتضايق أبداً من اختلاف الفتاوى، بل وجدنا حالات تسطّر بماء العيون من رقيّ ذلك المجتمع ووعيه وقدرته الفائقة على وزن الأمور، ومن ذلك أنّ أكثر فقيهين كانا يختلفان مع الإمام أبي حنيفة هما تلميذاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، حتى أنك لا تكاد تقرأ رأيا له إلا وتنتظر منهما أو أحدهما رأيا مخالفا، وربما كانت مساحة الخلاف معه أكبر بكثير من مساحة الوفاق، ومع هذا فلا يقدّم الحنفيّة بالذات والمجتمع عموما أحدا عليهما بعد الإمام، فالمجتمع كان يعدّ (الاجتهاد) قيمة عليا، ولذلك فهو يتقبل نتائجه بكل ثقة واعتزاز، وأما تشجيع الاجتهاد وتحريم الاختلاف فهو -لا شك- ضرب من الحماقة والجهل المركّب.
إن مجتمعاتنا اليوم تمتلك (مفردات قيمية) كثيرة، وهي قادرة على أن تقيس المسافة المرتبطة بهذه القيمة أو تلك قربا أو بعدا، فالتمييز بين الصادق والكاذب والكريم والبخيل والشجاع والجبان متيسّر إلى حدّ ما، إلا أنها تفتقر إلى القدرة على صهر هذه المفردات في منظومة واحدة، ويظهر أثر هذا الفقر في القضايا المركّبة والمعقّدة وهي التي لها المساحة الأوسع في حياتنا، وهذا هو الذي جعلها عاجزة عن التعامل مع فوضى المعلومات والأخبار والتحليلات التي لها أكثر من بُعد، وجعلها كذلك تضطرب في تقويم المواقف والأحداث والأشخاص، فقد يمرّ على الحدث الواحد سنة وسنتان وعقد وعقدان وتبقى الصورة المشوّشة والتقويمات المتباينة، وهذا ليس كله بسبب تباين الأيديولوجيات أو اختلاف المصالح، بل هناك فشل حقيقي سببه الأول غياب المعيار الكلّي والذي نسميه (المنظومة القيمية).
لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...