alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

19 يوليو.. إما قاتل أو مقتول

25 يوليو 2015 , 05:53ص

مرت خلال الأسبوع الماضي ذكرى انقلاب 19 يوليو 1971، الذي كانت لتداعياته آثار كارثية على الحزب الشيوعي السوداني بعد فشل الانقلاب الذي نفذه أعضاء في الحزب ينتمون للمؤسسة العسكرية. يعتبر الانقلاب امتداداً لانقلاب 25 مايو الذي قفز بالحزب إلى مرتبة السلطة، ثم أدخله بعد فترة قصيرة في مواجهة مع الحليف العسكري السابق جعفر نميري. فوجد الحزب نفسه في صراع تتطلب طبيعته العنف ما دام العسكريون يمثلون طرفاً فيه. هذا يقودنا لإجراء مقارنة ضرورية مع صراع آخر دخل فيه الحزب بعد أن تعرض لقرار الحل المجحف في فترة الديمقراطية الثانية. حينها وجد الحزب نفسه في معركة كل أطرافها مدنيون. فعمد إلى أدوات القوة الناعمة من تقاضي وتظاهر وتعبير واجتماعات وندوات.. فكيف كانت ثمار كل طريقة؟ في خطوة خطيرة تتعارض مع مبادئ الديمقراطية أقرت الجمعية التأسيسية في 15 نوفمبر 1965 مقترحاً بحل الحزب الشيوعي. ثم توالت إجراءات ذات صلة حتى تقرر طرد النواب الشيوعيين الأعضاء في ذات الجمعية التأسيسية. قرار يمثل تغول الأغلبية على حق الأقلية المكفول بالدستور. ويؤكد على خطر ابتذال فكرة حكم الأغلبية. فلو أن الشرعية تكتسب بالأغلبية فقط لأمكن للأغلبية في كل برلمان طرد نواب المعارضة من أول جلسة ليخلو الجو لإجماع حكومي خالص. رغم الإجحاف الواضح في القرار فإن اتخاذه في ظل نظام ديمقراطي منح الحزب الشيوعي فرصاً عديدة للالتفاف حول القرار. فالديمقراطية منظومة متكاملة تفتح برحابتها أبواباً كثيرة كلما حاول أصحاب الأغلبية توظيف أغلبيتهم لاتخاذ قرار متعسف. وهي- أي الديمقراطية- نظام مرهق لمن يحاول التفرغ لإغلاق كل باب جديد تفتحه الديمقراطية. فإذا أمكن للسلطة المتسلطة سلب حق التنظيم من الشيوعيين فلن تستطيع ملاحقة قادة وأعضاء الحزب بالاعتقال، ولن تستطيع في ظل نظام أتى بعد ثورة شعبية أطاحت بحكم عسكري أن تمنع جماهير الحزب الشيوعي من التجمع أو التظاهر، ولن تستطيع كتم منابر التعبير عند الحزب، وهكذا لم يكن لقرار الحل أثر يذكر على وجود الحزب الشيوعي، فظل موجوداً وفاعلاً في الحياة السياسية رغم أنه غير موجود من الناحية القانونية، أبلغ دليل على ذلك أن سكرتير عام الحزب الشيوعي المحلول عبدالخالق محجوب كان نائباً في الجمعية التأسيسية حتى يوم 24 مايو 1969. أي حتى آخر يوم في العهد الديمقراطي. فقد نفذ سكرتير عام الحزب من أحد الأبواب التي لا تحصى وترشح في انتخابات 1968، ونال ثقة الناخبين. وسبق أن ترشح القيادي حينها في الحزب أحمد سليمان- بعد حل الحزب- في الدائرة التي خلت بوفاة القيادي الاتحادي محمد أحمد المرضي. وفاز مرشح الحزب المحلول. ولنقارن حصيلة الحزب المحلول في العهد الديمقراطي مع ما حاق بالحزب بعد تحالفه مع نظام لا تسمح طبيعته برحابة عند حدوث الخلاف. غض الحزب الشيوعي المتظلم من قرار حله الطرف عن قرار النظام الجديد بحظر العمل الحزبي برمته، ولم يفطن الحزب مع تقدمية النظام الجديد ونشوة الانتقام ممن حلوه بالأمس. لم يفطن إلى خطورة التحالف مع نظام قد يستخدم مع الحزب الشيوعي ذات الأدوات والخطوات التي اتخذها، وهو يحل حزب الأمة ويرسل إلى السجن رئيس الاتحادي الديمقراطي، وغير ذلك من قرارات لا تتعارض مع طبيعة النظام الانقلابي. وأوغل النظام بطبيعته في التعسف، والحزب الشيوعي يتعامى عن تسييس الخدمة المدنية، وفصل عدد من أفضل أساتذة جامعة الخرطوم بتهم سياسية لا صلة لها بتأهيلهم الأكاديمي. كما حل النظام التقدمي اتحاد طلاب الجامعة واستبدله بسكرتارية الجباه التقدمية بدعوى عدم جواز وجود اتحاد رجعي في محيط ثوري هادر. النظام العسكري الدكتاتوري لا يستغرب منه تقييد الحريات والزج بأزهري في السجن والدخول مع الأنصار في معركة حربية وفصل عبدالله الطيب والنذير دفع الله من الجامعة، وتقديم عبدالماجد أبو حسبو وأحمد السيد حمد لمحاكم جائرة. ولن يكون الحزب الشيوعي استثناء عند دخوله في مواجهة مع نظام هذه هي طبيعته، لكن الحزب لم يكن بعيد النظر حين «تفرج» على مأكلة الثيران السود. ولما اقتيد سكرتير عام الحزب الشيوعي وقادة في قامة الشفيع وجوزيف قرنق إلى المشنقة، إنما كانوا ضحايا طبيعة نظام يفتقد الرحابة ولا يحتمل غير احتمالين، إما قاتل أو مقتول. لا تكتمل هذه المقارنة إلا بالتعرض لظاهرة ذات صلة بالأنظمة التي تحمل في جوفها بذرة العنف. هذه الطبيعة قد تخلق أجواء تفقد التنظيمات السياسية موالين كثرا يظهرون في الظروف العادية مبدين تأييداً صادقاً للحزب، لكنهم يفقدون الشجاعة عند الظروف الاستثنائية، ولعل المثال الأوضح لهذه الحالة هو بابكر عوض الله رئيس القضاء الذي استقال عندما رفضت السلطة التنفيذية النزول عند حكم القضاء ببطلان قرار حل الحزب الشيوعي، ثم شارك بالتخطيط لانقلاب مايو. لكن عندما تعرّض الحزب وقادته بعد انقلاب 19 يوليو لمظالم تفوق قرار حل الحزب بما لا يقارن، لم يستطع القانوني الكبير أن ينطق بكلمة رافضة لمحاكمات الشجرة، بل أذاع بنفسه بيان مجلس قيادة الثورة القاضي بترشيح رئيسه جعفر نميري لرئاسة الجمهورية، ودماء القادة الشيوعيين لم تجف بعد، فلم يختلف السياسي الكبير بكل تاريخه عن جوقة الراقصين حول المشنقة من العوام المضللين. هذه المقارنات تؤكد أن الديمقراطية هي الأفضل رغم علة البطء التي تلازمها أحياناً، ويضيق بها العجلون، ورغم ثغرات قد ينفذ منها البعض لتحقيق مصالح آنية. فالديمقراطية في كلها المتكامل تعالج على الفور أية ثغرة تظهر على نظامها، مثل أي جسد صحيح يعالج جرحه بما في طبيعة الجسد من أسباب فطرية لتضميد الجراح.

الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...