


عدد المقالات 324
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب الأولويات العامة حول الإنسان والمصلحة الوطنية، وأصبح امتداداً لخطاب سياسي يدور حول نفسه، في وقت تشهد فيه البلاد تحييداً للأزمة الاجتماعية عن السردية الوطنية، وتتسع فيها الفجوة بين الخطاب العام وواقع الناس، الذين يُطلب منهم أن يتكيفوا معه بوصفه حالة سياسية طارئة، لا خطراً يتجدد منذ عقود.
في استطلاع «المؤشر العربي» لعام 2024–2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة أكد 88 % من اللبنانيين أن الحرب الإسرائيلية شكلت ضغطاً نفسياً هائلاً عليهم، وأن شعور جماعي بالتوتر والقلق برز بنسبة 91%، وشعور بالغضب تجاه إسرائيل بنسبة99 %، وخيبة أمل في الموقف العربي بنسبة 91 %.
كان ينبغي لهذه النسب أن تدفع إلى نقاش وطني تقوده وزارة الشؤون الاجتماعية، والتعليم، والصحة، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، للوقف عند الحلول الداعمة، استجابة للصدمة، والتهجير، والخوف، وسبل العيش، وانهيار الحياة اليومية، والإرهاق الجماعي، لكن الخطاب السياسي والإعلامي العام ما زال يتمحور حول التحالفات، والاتهامات، والتخوين، والتعبئة، والمناورات السياسية، وتسجيل النقاط بين القوى المتنافسة، وكأن البلاد لا تعيش انهياراً مركباً يمس حياة الناس اليومية.
والمشكلة لا تكمن فقط في حدة الاستقطاب السياسي، بل في طبيعة الخطاب نفسه المدعوم من الإعلام نفسه؛ حيث تُستخدم فيه قضايا السيادة، والإصلاح، والمقاومة، والإنقاذ، والمفاوضات بوصفها أدوات للمزايدة السياسية أكثر من كونها مدخلاً إلى حلول فعلية. وبدل أن يكون النقاش العام مساحة لتشخيص الأزمة، أصبح في كثير من الأحيان وسيلة لإعادة إنتاجها، من أجل تصوير هذه الأزمة الاجتماعية على أنها جزء من ثقافة الحياة اليومية.
تكمن السمة الأخطر في الخطاب الراهن في تعامل اللبنانيين أنفسهم مع معاناتهم اليومية بوصفها أثراً جانبياً مؤسفاً، لا بوصفها جوهر الأزمة الوطنية. هذا الواقع يفسر جزئياً لماذا تبدو دعوات الإصلاح في لبنان ضعيفة الأثر، فالإصلاح ارتبط منذ وقف الحرب الأهلية، بالتوصل إلى تسويات سياسية، وتعديل ثغرات دستورية، و»تدوير للزوايا»، وأخفى حجم التآكل الناجم عن أزمة اجتماعية شديدة التغلغل في تركيبة الحياة اليومية. وقد تمكّن الخطاب العام من حجب أعين الناس عن الأولويات الوطنية. وأصبحت أي محاولة جادة للتغيير محط تساؤلات وموضع شك في النوايا الوطنية.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البلاغة السياسية، بل إلى خطاب يرتقي بالأزمة الاجتماعية لتُصبح أولوية وطنية، وإلى إعلام لا يرى نفسه جزءاً من البنية السياسية، وانعكاساً لاصطفافات حزبية، وأداة ضمن معركة الرواية السياسية، وأن يعيد تقييم خطابه على أساس العدالة الاجتماعية.
لبنان يحتاج إلى لغة تُرمم الإنسان، وتعترف بحجم الألم، والإرهاق، والتفكك الاجتماعي، وتبحث في مشكلات الناس داخل بيوتهم، ومدارسهم، وجامعاتهم، ومستشفياتهم، وتعتبرها قضية مركزية، وألا يُطلب منهم أن يتكيفوا مع هذه المشاكل على أنها جزء من حياتهم اليومية.
كل لبناني في بيته، وأرضه، وخوفه، وتَعَبه، هو أولوية وطنية. وكل خطاب لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيبقى عاجزاً عن إنصاف اللبنانيين الذين لم يعد يُكفيهم أن يتحملوا الأزمة بصمت، بل عليهم أن ينطلقوا معًا في مشروع لبناء سردية وطنية تُعيد الإنسان إلى مركزية القرار، بعد أن تحوّل إلى ضحية في مادة إعلامية.
@snasser24
تأسست إسرائيل عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحابها بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي...
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة...
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...