


عدد المقالات 317
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب الأولويات العامة حول الإنسان والمصلحة الوطنية، وأصبح امتداداً لخطاب سياسي يدور حول نفسه، في وقت تشهد فيه البلاد تحييداً للأزمة الاجتماعية عن السردية الوطنية، وتتسع فيها الفجوة بين الخطاب العام وواقع الناس، الذين يُطلب منهم أن يتكيفوا معه بوصفه حالة سياسية طارئة، لا خطراً يتجدد منذ عقود.
في استطلاع «المؤشر العربي» لعام 2024–2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة أكد 88 % من اللبنانيين أن الحرب الإسرائيلية شكلت ضغطاً نفسياً هائلاً عليهم، وأن شعور جماعي بالتوتر والقلق برز بنسبة 91%، وشعور بالغضب تجاه إسرائيل بنسبة99 %، وخيبة أمل في الموقف العربي بنسبة 91 %.
كان ينبغي لهذه النسب أن تدفع إلى نقاش وطني تقوده وزارة الشؤون الاجتماعية، والتعليم، والصحة، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، للوقف عند الحلول الداعمة، استجابة للصدمة، والتهجير، والخوف، وسبل العيش، وانهيار الحياة اليومية، والإرهاق الجماعي، لكن الخطاب السياسي والإعلامي العام ما زال يتمحور حول التحالفات، والاتهامات، والتخوين، والتعبئة، والمناورات السياسية، وتسجيل النقاط بين القوى المتنافسة، وكأن البلاد لا تعيش انهياراً مركباً يمس حياة الناس اليومية.
والمشكلة لا تكمن فقط في حدة الاستقطاب السياسي، بل في طبيعة الخطاب نفسه المدعوم من الإعلام نفسه؛ حيث تُستخدم فيه قضايا السيادة، والإصلاح، والمقاومة، والإنقاذ، والمفاوضات بوصفها أدوات للمزايدة السياسية أكثر من كونها مدخلاً إلى حلول فعلية. وبدل أن يكون النقاش العام مساحة لتشخيص الأزمة، أصبح في كثير من الأحيان وسيلة لإعادة إنتاجها، من أجل تصوير هذه الأزمة الاجتماعية على أنها جزء من ثقافة الحياة اليومية.
تكمن السمة الأخطر في الخطاب الراهن في تعامل اللبنانيين أنفسهم مع معاناتهم اليومية بوصفها أثراً جانبياً مؤسفاً، لا بوصفها جوهر الأزمة الوطنية. هذا الواقع يفسر جزئياً لماذا تبدو دعوات الإصلاح في لبنان ضعيفة الأثر، فالإصلاح ارتبط منذ وقف الحرب الأهلية، بالتوصل إلى تسويات سياسية، وتعديل ثغرات دستورية، و»تدوير للزوايا»، وأخفى حجم التآكل الناجم عن أزمة اجتماعية شديدة التغلغل في تركيبة الحياة اليومية. وقد تمكّن الخطاب العام من حجب أعين الناس عن الأولويات الوطنية. وأصبحت أي محاولة جادة للتغيير محط تساؤلات وموضع شك في النوايا الوطنية.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البلاغة السياسية، بل إلى خطاب يرتقي بالأزمة الاجتماعية لتُصبح أولوية وطنية، وإلى إعلام لا يرى نفسه جزءاً من البنية السياسية، وانعكاساً لاصطفافات حزبية، وأداة ضمن معركة الرواية السياسية، وأن يعيد تقييم خطابه على أساس العدالة الاجتماعية.
لبنان يحتاج إلى لغة تُرمم الإنسان، وتعترف بحجم الألم، والإرهاق، والتفكك الاجتماعي، وتبحث في مشكلات الناس داخل بيوتهم، ومدارسهم، وجامعاتهم، ومستشفياتهم، وتعتبرها قضية مركزية، وألا يُطلب منهم أن يتكيفوا مع هذه المشاكل على أنها جزء من حياتهم اليومية.
كل لبناني في بيته، وأرضه، وخوفه، وتَعَبه، هو أولوية وطنية. وكل خطاب لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيبقى عاجزاً عن إنصاف اللبنانيين الذين لم يعد يُكفيهم أن يتحملوا الأزمة بصمت، بل عليهم أن ينطلقوا معًا في مشروع لبناء سردية وطنية تُعيد الإنسان إلى مركزية القرار، بعد أن تحوّل إلى ضحية في مادة إعلامية.
@snasser24
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة،...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...