


عدد المقالات 325
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط.
من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم مكافحة الإرهاب، ومرّة تحت شعار نشر الديمقراطية، وأخرى بذريعة الأمن الإقليمي أو التصدّي للأوبئة.
أما الخروج من هذا المسلخ البشري المسمّى بـ«الشرق الأوسط»، فيتطلّب تقديم صكوك عُبور تتجاوز قواعد التجربة نفسها؛ فإمّا أن تُهاجر وتصبح فأراً بمعدل ذكاء أعلى من أن يُستغل، أو أن تكون أدنى من أن يُستفاد منه، أو أن تتحوّل إلى كائن مطيع يبقى داخل المختبر حتى التقاعد. هذه ليست مبالغة أو نزعة سوداوية، بل توصيف بنيوي لطبيعة الدور الذي أُسند إلى شعوب الشرق الأوسط داخل النظام الدولي القديم والمعاصر، والذي نشهد اليوم تحوّلاته المتسارعة.
لطالما روّجت السرديات الغربية للشرق الأوسط باعتباره منطقة أزمات محكومة بتجارب لا تنتهي من الحروب والانقسامات والتطرّف. غير أن هذه المقاربة قاصرة عن تفسير ما يجري فعلياً. فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة تشتعل فيها الحروب عفوياً، بل مساحة تُختبر فيها التحولات الكبرى في النظام الدولي قبل أن تتمدّد إلى بقية العالم.
يبدأ ذلك من الجغرافيا. فالشرق الأوسط يربط بين ثلاث قارات، ويحتضن ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، وقناة السويس، وباب المندب. هذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، وحركة الجيوش، وإمدادات الطاقة. وما تداعيات المواجهات الإقليمية الحالية وعسكرة الممرات البحرية، إلا دليل على أننا نقطة الاختبار الأولى للهندسة الدولية الجديدة.
تمتد أهمية المنطقة كساحة للتجارب خارج الجغرافيا، فهي تجمع بين نماذج حكم سياسي غير متجانسة تعيش في حيّز واحد: الملكيات الوراثية، الجمهوريات المدعومة عسكرياً، الأنظمة الهجينة، الديمقراطيات الهشة والصلبة، دول منهارة، وقوى فاعلة مسلحة من غير الدول. لذا، فهي بيئة مثالية لاختبار التحالفات وأشكال النفوذ الجديدة.
أما في مسألة الهوية، فنحن الساحة الخصبة لاختبار التحوّلات في الخطاب العالمي، لدينا: الدين والحداثة، القومية والعولمة، الدولة والهويات العابرة للحدود، الخصوصية الثقافية والانفتاح دون حدود. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، توضع مجتمعاتنا اليوم تحت التجربة الرقمية، حيث تزداد نسبة اتصال شبابنا بالإنترنت، وتُرصد البيانات، وتُبرمج الخوارزميات، وتُشكّل العقليات.
وفي الشرق الأوسط تطفو سمة التدخلات الخارجية، والتنافس بين القوى العظمى التي تتخذنا حقلاً لتجريب أدوات القوة وإعادة تطويرها، بدءًا من الإدارات الاستعمارية، مروراً بحروب الوكالة، وصولاً إلى التدخلات العسكرية المباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر، والعقوبات الاقتصادية، ثم الطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية، والتحكم بالسرديات الإعلامية.
في هذه المنطقة أيضاً، تُختبر سيناريوهات التفكك الاقتصادي، والنماذج الاقتصادية العالمية
وعلى مستوى التصدّي للأوبئة، منطقتنا لا تُجادل في فاعلية اللقاحات التي غُرزت في أجسادنا، ولا ترصد علناً تأثيراتها الصحية، ولا تُشكّك في القرارات الأممية. فنحن شعوب مُطيعة تثق بالبروتوكولات العالمية.
من الإجحاف أن نصوّر الشرق الأوسط أنه مجرد ضحية، بل إنه الميدان الذي يُكتب فيه تاريخ العالم الجديد، ولكن بأكثر الطرق قسوة، وبشاعة، ودموية. فهُنا تُختبر الحروب قبل أن تُصبح عقائد، وتُجرّب أدوات السيطرة قبل أن تتحوّل إلى سياسات عالمية، وتُعاد صياغة مفاهيم الدولة والأمن والهوية، وتُجرّب الأسلحة المخفية.
المأساة الحقيقية اليوم ليست في أننا نعيش في هذا المختبر المفتوح، بل في أننا أُجبرنا طويلاً على العيش داخل التجربة نفسها. وأن التشابه بيننا وبين «فئران التجارب» أصبح مُتعباً، مع تأكيد العلماء مؤخراً أن هذه الكائنات المُخدّرة تقدم «الإسعافات الأولية» لرفاقها فاقدي الوعي أثناء التجارب، بطريقة تشبه الإسعافات الأولية التي يقوم بها البشر.
نحن اليوم مخدرون بما فيه الكفاية، نحاول إنعاش الوعي، ونسعى إلى النجاة من هذه المأساة البُنيوية.
@snasser24
مع العودة إلى المدارس، يعود موسم مألوف من الفيروسات. تبدأ العدوى من الحالة صفر بأول طفل يُصاب في الصفّ، ثم تنتقل إلى زملائه ويحملها كلٌّ منهم إلى أسرته، ومنها إلى أماكن عمل الوالدين. وخلال أيام...
تأسست إسرائيل عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحابها بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي...
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة...
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...