


عدد المقالات 336
تنتشر في مجتمعاتنا المحافظة والمتديّنة بعض الخرافات الملتبسة بالدين والتي تهدد نسيج المجتمع وروابطه الأسريّة فضلا عن إخلالها بالمنظومة الفكرية وفتح المجال لحالة من الاضطراب والقلق النفسي والمعرفي. من الكلمات التي تشيع اليوم دون علم دقيق ولا حصانة كافية والتي لها انعكاس خطير في حياة الناس (الحسد، والعين، والمس، والسحر)، وهي كلها مصطلحات شرعية من حيث الأصل، لكن طريقة تعاطي الناس معها أخذت منحى آخر بعيدا عن مقاصد الشرع. حذّرنا الإسلام من الحسد لأنه خلق ذميم بنفسه، وخطير بآثاره، والحسد إنما هو تمنّي زوال النعمة عن الغير، وقد يظهر هذا التمنّي بإشارات الكلام أو محاولة الانتقاص من المقابل أو بعداوة لا مسوّغ لها ومحاولة الإضرار لا لذنب ارتكبه المقابل، فهذه كلها داخلة في باب (الخُلق السيء)، ولا شك أن هذا يكدّر صفو العلاقات ويثير الخصومات والعداوات، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) رواه البخاري. فالدين إذاً وضع الحسد في إطاره الأخلاقي، بمعنى أنه خلق مذموم يؤدّي إلى التباغض والتدابر ويفكك عرى الأخوّة الإيمانيّة، هذا هو منطوق الحديث وهذا هو سياقه. إلا أن الخرافة جنحت بالحسد من مفهومه الأخلاقي إلى مفهوم آخر لا يمت إلى المفهوم الأول بصلة، فصار الناس إذا أصابتهم مصيبة حتى لو حادث سيارة أو مرض طارئ أو رسوب في الامتحان تذكروا الحسد والحاسدين، واستعرضوا قائمة الأقرباء والأصدقاء لينتقوا منهم ذلك الذي كان السبب في هذه المصيبة! وقد يتبيّن لهم بالشواهد والقرائن أن هناك أكثر من شخص، كلهم قد تمالئوا وتعاونوا. وإذا كانت القرائن لا تكفي فهناك بعض (الشيوخ) الذي يعتقد العامة فيهم أنهم ربما يعلمون الغيب، وهذا يكفي منه كلمة واحدة أن يقول لصاحب المصيبة (أنت محسود)! هنا لا يُسأل الشيخ عن مصدره في هذه المعلومة، لأنها ستجد طريقها إلى القلب دون تردد أو استئذان، فالطالب لم يرسب بسبب إهماله بل لأنه محسود، والحادث لم يحصل بسبب تجاوز السرعة والانشغال بالجوال، بل بسبب الحسد..وهكذا. إن الخوف من الحسد أو من الاتهام بالحسد جعل الناس تتدابر وتتقاطع، فكان مؤدّى ذلك مخالفا لنص حديث البخاري (ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا)، كما أنه متضمن لسوء الظنّ بالمؤمنين وهو مخالف أيضا لصدر الحديث (إياكم والظنّ فإن الظنّ أكذب الحديث)، فانظر كيف سلبت الخرافة مدلول الحديث، وعكست تأثيره تماما، فأصبح الخوف من الحسد أشدّ من الحسد نفسه. ثم هناك مخاطر لا تقل عما تقدّم، فالمجتمع الذي يعلّق كل إشكالاته وإخفاقاته على عين الحاسد متى يتاح له أن يراجع نفسه وأن يتعلم من أخطائه وأن يهتدي لمفاتيح الحل والأخذ بأسباب النجاح؟ ثم هذا الذي يصدّق (الشيخ) في مسألة بهذه الخطورة بلا دليل وكأنه يعلم الغيب، أو يعتقد في الحاسد أنه قادر على تدمير سيارته وتغيير نتيجته في الامتحان، ماذا بقي له من عقيدة التوحيد والتوكل على الله؟
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...