


عدد المقالات 336
مهما كان الاختلاف في تقدير حجم المشكلة في هذه العلاقة فإن هناك قدرا لا يمكن الاختلاف عليه وهو أن غالب العلماء خاصة الرموز المعروفة قد أصبحوا خارج هذه التنظيمات، حتى الذين شاركوا في التأسيس ومراحل البناء الأولى، وهذه ظاهرة تكاد تكون عامة في أغلب الأقطار وإن اختلفت الدوافع والمبررات، وقد اطلعت على مشروع بحث واسع ومفصل لواحد من علماء الإخوان المصريين حوى قائمة طويلة للعلماء والمفكرين الكبار الذين غادروا التنظيم بالاتفاق كالشيخ القرضاوي أو بالاختلاف كالشيخ محمد الغزالي والسيد سابق وعبدالمعز عبدالستار. حقيقة أن هذه الظاهرة لا يمكن حصرها في الإشكالات الإدارية أو التنظيمية، ولا يمكن أن تعزى للمنافسات الشخصية أو الظروف والضغوط الخارجية إلا من باب سوء الظن وسياسات التشهير والتسقيط، أما من الناحية الموضوعية فهي في الأساس مشكلة ثقافية وفكرية ولها جذورها العميقة في فهم الإسلام ومشروعه الإصلاحي وطبيعة العمل الجماعي ودور الفتوى والتأصيل والتكييف الشرعيين في كل ذلك، وأذكر بهذا الصدد محاججة جرت بعد أزمة حادة بين مراقب الإخوان العراقيين الدكتور عبدالكريم زيدان وبعض القيادات التي رأت الاحتكام إلى مكتب الإرشاد، وكان رد الدكتور أن هذه المسألة مسألة شرعية فقهية تتطلب حوارا بين المجتهدين أولا وليس بين المسؤولين! وطلب منهم أن يرشحوا له مجتهدا أو أكثر ليتفاهم أو يتحاور معه. إن هذه العينة مؤشر على وجود إشكالية عميقة بين ما يمكن تسميته بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فالجماعات الإسلامية يفترض فيها أن تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية في كل شؤونها، وهذا يتطلب وجود مرجعية شرعية حاكمة ومؤهلة للاجتهاد في كل مسائل العمل الجماعي، وبهذا فقط تبرأ ذمة المكلف فردا أو جماعة أمام الله، لكن واقع الجماعات الإسلامية اليوم يستند إلى مقولات أخرى قد تزاحم هذه المقولة مثل: أولا: الشورى، حيث تحرص الجماعات الإسلامية على تحقيق الشورى عبر مجالس منتخبة من كل المحافظات والمناطق، ولكن هذه المجالس غير مؤهلة حقيقة للاجتهاد المبرئ للذمة بقدر ما هي مؤهلة للتعبير عن إرادة الناس في المناطق التي يمثلونها، لأن عضوية هذه المجالس قائمة على الانتخاب وليس على الإجازة العلمية المعتبرة، وحتى لو كان في المجلس واحد من العلماء المجتهدين فالقرار يتخذ بالأغلبية فلا عبرة بوجوده إلا إذا كان يمتلك مهارات شخصية في إقناع الآخرين، وعليه فهذه المجالس تصلح لتكون جزءا من مؤسسات السلطة التنفيذية وليست التشريعية، ولا يخفى هنا مدى التأثر بالثقافة الغربية المستندة إلى إعطاء حق التشريع للشعب عبر ممثليه المنتخبين في البرلمان. إن العالِم المجتهد له حق الاجتهاد بل ربما يجب عليه سواء كان داخل السلطة أو خارجها، داخل التنظيم أو خارجه، منتخبا أو غير منتخب، فهذا حق أو واجب شرعي لا صلة له بالاعتبارات الوظيفية أو التنظيمية، ومن لا يمتلك مؤهلات الاجتهاد فيحرم عليه الاجتهاد ولو كان خليفة للمسلمين. ثم إن آلية الاجتهاد الشرعي لا علاقة لها بمقررات مجالس الشورى والقيادات التنظيمية، فالاجتهاد هو بذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، والمجتهد يجمع الأدلة ويقارنها ويحللها ولا علم له بما سيؤول إليه اجتهاده، وبعد ذلك عليه أن يقول النتيجة بغض النظر عن موافقته للقيادة أو لا، وهذا ما كان عليه العلماء حتى مع وجود الخلافة الإسلامية، وكثيرا ما كان المجتهدون يخالفون رأي الخليفة نفسه، وقد حفظ لنا تراثنا الفقهي مئات المسائل التي خالف فيها العلماء رأي الخلفاء الراشدين فضلا عن غيرهم، ولهذا ظهرت المذاهب الإسلامية مع وجود البيعة للخليفة الواحد، وكثيرا ما كانت هذه الاجتهادات تمس سياسات الدولة في الحكم والقضاء والحرب والسلم والاقتصاد والحقوق العامة والخاصة وحتى مسؤوليات الخليفة وحقوقه وإمكانية عزله واستبداله! إن الاجتهاد الفقهي والبحث العلمي والمعرفي بشكل عام لا يمكن أن يخضع لقوانين السمع والطاعة واحترام الأغلب أو الأكبر وما إلى ذلك، فهذا يضر بالمنتج العلمي والثقافي للأمة، وهذه مشكلة لم تستطع التنظيمات المعاصرة أن تستوعبها، بل إن بعض القيادات صارت تعطي لنفسها صلاحيات أوسع بكثير من صلاحيات الخليفة، وترى أن السمع والطاعة يتجاوز دائرة الإجراءات التنفيذية إلى دائرة العلم والثقافة، حتى صرّح أحدهم فقال: إننا نطمح إلى ما هو فوق الوحدة، إننا نسعى لصناعة النسخ المتشابهة! وهو يظن أن هذا مطلب شرعي، وهو لو قرأ أي كتاب في التاريخ أو الفقه المقارن لوجد أن التنوع في الفكر والثقافة والاجتهاد كان سمة سائدة في عصور الأمة المتقدمة، وقد روى البيهقي وغيره أن بلالا وبعض الصحابة خالفوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- وقد بعث إليهم كتابا في قسمة الغنائم «فراجعوه الكتاب وراجعهم يأبون ويأبى فقال -أي عمر-: «اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال» السنن الكبرى ج9 ص 128. ثانيا: إن أمر الأمير يحسم الخلاف، وهذه مقولة شائعة في الأوساط التنظيمية وأصبحت كأنها مسلّمة من المسلّمات الشرعية، والحقيقة أن هذه المقولة تحتاج إلى تفصيل من جوانب متعددة، فهناك فرق بين القطعيات والظنيات، وهذا الفرق يقدره العالم وليس المسؤول، وقد جاهر الإمام أحمد بن حنبل بمخالفته لأمر الخليفة في مسألة خلق القرآن مع أن الإمام كانت في عنقه بيعة شرعية للخليفة! وهناك فرق آخر وهو الفرق بين الأمير المتمكن من الاجتهاد عن غيره، فالأمير المجتهد له أن يصر على اجتهاده كما فعل عمر مع بلال -رضي الله عنهما-، وعلى بقية المجتهدين التنازل بالعمل وليس بالرأي، فليس للأمير الحق أن يأمرهم على أن يغيّروا اجتهاداتهم لأن هذه خيانة علمية، ومن حق الأجيال القادمة بأمرائها وعلمائها أن يعلموا أن هذه المسألة كانت مسألة خلافية وليست إجماعية، أما إن لم يكن الأمير من أهل الاجتهاد فليس له إلا أن يسمع للمجتهدين شأنه شأن أي مستفت آخر، ورأيه حتى لو اتخذه أمرا لا يمكن أن يحسم الخلاف لا علميا ولا عمليا. أذكر أني التقيت اثنين من أصدقائي واللذين صار كل منهما يحمل اسم (رئيس مجلس شورى) وتناقشنا طويلا في هذه المسائل وأشباهها وانعكاساتها وتداعياتها، وقد تقاربت رؤانا في تشخيص الحالة وأن هناك حاجة قد تصل إلى حد الضرورة لفتح هذه الملفات بطريقة علمية وموضوعية. إن التأخر أو التردد في طرح هذه المسائل قد ولّد انفصاما مؤذيا للطرفين وللمشروع الإسلامي بشكل عام، فالعلماء صاروا يفتقرون بالفعل إلى الخبرات التنظيمية والإدارية وحتى الثقافة السياسية العامة، ما جعل التنظيمات تعتبرهم عبئا ثقيلا عليها خاصة في أوقات الأزمات والمنعطفات المصيرية، حيث تأتي تصورات الكثير من العلماء بعيدة عن التشخيص الدقيق للواقع، ولذلك تدور فتاواهم حول العموميات والمسائل القطعية التي لا تتطلب اجتهادا من الأصل، وفي المقابل افتقرت التنظيمات إلى الرؤية الإسلامية المؤصلة والقادرة على تنفيذ مقولة (الحل الإسلامي)، كما فقدت كثيرا من هيبتها الشعبية والجماهيرية، وقد قاد هذا الفصام إلى فصام مجتمعي أوسع، حيث مالت النخب الإسلامية المثقفة إلى صف الجماعات وتنظيماتها المختلفة بينما بقي الجمهور مشدودا خلف شيوخه وعلمائه، ثم آل الأمر إلى حالة من الركود والعجز عن مواجهة التحديات صغيرها وكبيرها.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...