


عدد المقالات 336
في المحاضن التربوية للجماعات الإسلامية يتم التركيز على قصة موسى عليه السلام مع فرعون، لما فيها من روح المفاصلة وربما المناجزة لنظام لا يحترم الآخر ولا يعترف به «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى»، ثم تتحول هذه الروح إلى عقيدة تستدعي كل معاني الولاء والبراء بما فيها صناعة المعايير الحاكمة لسلوك الناس تجاه هؤلاء الحكام «الفراعنة»، وربما يكون هذا مبررا في ظل الأحكام العرفية وما يتبعها من اضطهاد وتعذيب نال منها الإسلاميون حظهم الأوفر. أما النموذج المقابل وهو قصة يوسف عليه السلام مع مَلك مصر فإنه لم يحظ بالاهتمام والدراسة الكافيتين، حيث كان الملك حريصا على مصلحة مصر ومتقبلا لمن يخالفه في الدين والرأي، وبهذه الروح تعامل مع يوسف مع علمه بدينه ونسبه المخالفين لدين الملك ونسبه: «وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ» وهنا بادره يوسف عليه السلام بكل شجاعة وإيجابية «قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» ثم بارك الله هذا العقد بين يوسف النبي والملك الكافر فقال «وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» وقد كان يوسف وفيا لهذا العقد فقدم كل خبرته بصدق وجد لحكومة مصر وشعبها, بل كان ملتزما بقانون الدولة ونظامها حتى قال جمال الدين القاسمي في تفسيره لقوله تعالى «مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ» قال: (فيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك)، ومن المحتم هنا أن يوسف كان يجالس الملك ويواكله ويتعامل معه ومع أركان دولته رغم اختلاف الدين. في السنّة النبوية نموذج آخر عن حاكم مسلم لكن في نظام غير إسلامي, بل في دولة غير إسلامية أصلا وهو النجاشي، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه لما توفي النجاشي قام الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى عليه بالناس صلاة الغائب, وهذا دليل قاطع على إسلامه، لكنه من المؤكد أنه لم يخرج عن نظام دولته ولم يطلب التنحي أو الإقالة، وهو ما يقرّب لنا صورة وصول الإسلامي اليوم إلى منصب الرئاسة لكن في نظام غير إسلامي «الحالة التركية نموذجا». يتضح من كل هذه النماذج أن قضية التعامل مع الحكومات غير الإسلامية تتحكم بها السياسة والمصالح العامة وليس العقيدة، وحينما حاول الإسلاميون في مرحلة من مراحل تجربتهم المريرة مع الأنظمة الاستبدادية أن يضفوا طابع العقيدة على تلك المواقف وقعوا في خطأ استراتيجي فادح, صاروا يدفعون ثمنه اليوم، فكل النزعات التكفيرية التي يعاني منها الإسلاميون اليوم قبل غيرهم قد نمت وترعرعت في ظلال المحاضن التربوية لهؤلاء الإسلاميين أنفسهم. إن موسى نبي وكذلك يوسف عليهما السلام، والأنبياء لا يمكن أن يختلفوا في مسائل العقيدة، فإذا كان التعامل مع حكومة غير إسلامية مسألة عقدية فيلزم بالضرورة أن تكون مواقف الأنبياء جميعهم واحدة، وحاجتنا للخطاب التعبوي في مرحلة ما لا يسوّغ لنا أن نتحكم في هذه المسائل وتصنيفها، لما في هذا من تجاوز على الأمانة العلمية والدينية من ناحية، ولما فيه من التداعيات السلوكية الخطيرة التي قد تصل إلى حد التكفير واستباحة الدماء ناهيك عن فوات المصالح المتيقنة أو المتوقعة للأمة. إن مساحة العقيدة لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الأحوال، أما مساحة السياسية فإنها لا شك تخضع لكل تلك الاعتبارات والمتغيرات، هناك ينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وهنا ينقسم الناس إلى مصيب ومخطئ، والفرق بين فرعون موسى وفرعون يوسف إنما هو فرق في النظام السياسي وليس في الدين والمعتقد، ويشبه هذا تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش وخزاعة القبيلتين المشركتين حيث حارب الأولى وتحالف مع الثانية لاختلاف مواقفهما السياسية فقط. اليوم هناك مساحة ثالثة لا يتصدى فيها التكفيريون التقليديون, بل فرسانها من التيارات الوطنية المختلفة، وهؤلاء لا شأن لهم بكل ذلك الجدل ولا بكل تلك النماذج، إنهم ينطلقون من منطلقات أخرى تعتمد معايير جديدة لا صلة لها بالبحوث الفقهية والتصنيفات الدينية، فالحق عندهم قيام الحكومة الوطنية مهما كان دينها ومذهبها، والباطل عندهم الارتباط بالأجنبي سواء كان هذا الأجنبي أميركيا أو إيرانيا أو عثمانيا، فالوطن عند هؤلاء دين، بل هو المقدم على كل الأديان، وعلى أساس هذا الدين يكون التمايز والولاء والبراء، فالذي يسب أبا بكر وعمر مثلا إن كان إيرانيا أو فارسيا فمرفوض وإن كان عراقيا أو عروبيا فمقبول. ربما يمارس هؤلاء نوعا من التكفير السياسي كما يمارس أولئك نوعا من التكفير الديني، ولذلك فمع الاختلاف الشديد في المعتقدات والمنطلقات إلا أن الفريقين اجتمعا على تكفير من يشترك في حكومة تتشكل في ظل احتلال أجنبي للبلاد كما يحصل اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان، وهذا ما يتطلب دراسة منفصلة ومستقلة ربما نتناولها في حلقات قادمة. المعايير التي تحكم هذه المساحة معايير منبثقة من ثقافة جديدة نشأت في ظل الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة، حيث قدّم الغرب تجربة ناضجة ومتكاملة تجيب عن كل تلك الأسئلة الكبرى التي كانت تشغل الفكر السياسي في علاقة الإنسان بالأرض وإدارته لمواردها، حيث اعتمدت التقسيم الجغرافي بديلا عن التقسيم الديني والعرقي، وقد حرص الغرب على نقل تجربته هذه إلى العالم الإسلامي مصحوبة بقدر من الاحتياطات التي تضمن للغرب تفوقه المطلق فكانت حدود سايكس بيكو والتي تعامل معها العرب والمسلمون على أنها حدود استعمارية بادئ الأمر ثم انقلبوا اليوم على أنفسهم وأصبحوا يقدسونها أكثر من الغرب نفسه! هذه الثقافة الجديدة ألقت بظلالها على مساحات الجدل الثقافي والسياسي الواسعة ومنها المشاركة السياسية، ولذلك حينما كان الحزب الإسلامي العراقي يستشهد بقصة يوسف عليه السلام في تبرير مشاركته السياسية لم يكن الرد ليتناول مسألة المشاركة في حكومة غير إسلامية ولا في جدوى هذه المشاركة, لكنه كان منصبا على نقطة واحدة فقط وهي أن هذه حكومة احتلال، والاحتلال هنا لا علاقة له ببحوثنا الفقهية التي تتحدث عن حكم البلد المسلم الذي يستولي عليه الكفار، فمصطلح الاحتلال هنا لا شأن له بالمؤمنين ولا بالكفار، وإنما هو مصطلح سياسي جديد يستند إلى التمييز بين المواطن والأجنبي، والمواطن هو من يمتلك الجنسية حتى لو كان يحمل ثقافة الغرب نفسه، والأجنبي هو من لا يمتلك هذه الجنسية حتى لو كان عربيا ومسلما، ولذلك حين سئل أحد الشيوخ الوطنيين في العراق ما رأيكم بدخول قوة تركية لحفظ الأمن في بغداد, وكان ذلك بعد أن شاعت الفوضى بسبب انتشار المليشيات الطائفية قال هذا الشيخ: نحن لا نفرق بين الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي، وقد وصل الأمر بوطني آخر أن يردد: سلام على كفر يوحّد بيننا وأهلا وسهلا بعده بجهنم! ربما يواجه هؤلاء صعوبة بالغة في تقويم الكثير من الأحداث التاريخية، فسعد بن أبي وقاص الذي غزا العراق بجيشه لم يكن عراقيا، وعمرو بن العاص لم يكن مصريا، وقل مثل ذلك في الجيش العثماني الذي حرر بغداد من الاحتلال الصفوي، بل إن أول حاكم للعراق بعد سقوط الخلافة كان فيصل الأول ولم يكن عراقيا أيضا! ومثل هذا في تاريخنا الإسلامي أكبر من أن يحصى. لكن هذه الثقافة رغم ركاكتها في السياق الديني والتاريخي فإنها تمثل اليوم عرفا دوليا عالميا لا يمكن تجاوزه، وكل الذي ندعو له أن نسمي الأشياء والأفكار بأسمائها، فهذه الثقافة بكل مفرداتها ومصطلحاتها تنتمي لمنظومة قيمية تختلف في جوهرها ومضمونها عن المنظومة الإسلامية، والعمل على إضفاء الطابع الإسلامي على هذه الثقافة لا يخلو من مجازفة خطيرة وعلى مختلف المستويات.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...