


عدد المقالات 440
مع انتهاء موسم الإجازات والعودة إلى المدارس، تتردد بكثرة عبارات «دوام»، وتتباين ردود الأفعال بين من يستقبلها بابتسامة متفائلة، ومن يتأفف وكأنها عبء ثقيل. كلمة صغيرة تحمل في داخلها مشاعر متباينة، فالإنسان هو الذي يحمّلها المعنى؛ فمن يراها بداية جديدة يقرأ فيها وعدًا بالنمو والإنتاج والشعور بالأمان، ومن يراها قيدًا يستحضر من ورائها مسؤوليات تثقل كاهله.
الدوام في جوهره قيمة إنسانية وروحية، تعكس نظرتنا للأمور وإرادتنا على الاستمرار. وقد لخّص رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام فلسفة الدوام بقوله: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فالقيمة ليست في ضخامة الفعل ولا في زخمه، بل في قدرته على الاستمرار وإحداث الأثر. وهذا ما يجعل العمل الصالح ممتدًا عبر الزمن، إذ لا يقاس بمقداره اللحظي، وإنما بعمقه وثباته.
وللعمل الصالح صور كثيرة تبدأ من العبادات اليومية كالذكر والصلاة والصدقة، التي تبدو صغيرة لكنها إذا داومنا عليها صارت نورًا للروح وزكاة للنفس. وتمتد إلى العمل المهني حين يُؤدى بإخلاص وإتقان، فيتحول إلى عبادة تثمر نفعًا للناس وتعكس القيم الأخلاقية. هنا يبرز دور المهن الأساسية للإنسان لارتباطها بالإنسان بشكل مباشر، مثل مهنة الطبيب الذي يداوم على خدمة المرضى والتخفيف من آلامهم، والتمريض الذي يداوي جروح الناس و يتابع صحتهم، ومهن التعليم، وعلى رأسها المعلم، المثال الأوضح لفلسفة الدوام. فالمعلم لا يبني يومًا واحدًا، بل يزرع بذورًا صغيرة تتفتح عبر سنوات في عقول طلابه. دوام المعلم في الصف، وتكرار دروسه، وصبره على إعادة الشرح، كلها أعمال تبدو اعتيادية لكنها في الحقيقة أعظم صور العمل الصالح. فهو لا ينقل معلومة فحسب، بل يغرس قيَمًا، ويشكّل وجدانًا، ويزرع الأمل في أجيال قادمة. وإذا كان النجاح يحتاج إلى استمرارية، فإن أعظم مثال على ذلك هو سيرة معلمٍ داوم على عطائه حتى صار علمه صدقة جارية لا تنقطع.
ولكي يثمر هذا الدوام في كل مهنة ورسالة، لابد أن يستند إلى قيم راسخة تشكّل روحه: فالإخلاص يجعل العمل متوجهًا إلى الله لا إلى المظاهر، والصبر يمدّنا بالقدرة على الثبات أمام التعب والملل، والصدق يضمن أن يكون الفعل نابعًا من أعماق القلب، والأمل يمنحنا الدافع لرؤية كل يوم جديد كفرصة لزرع خير آخر. بهذه القيم يتحول الدوام من روتين يومي إلى معنى أعمق يربط الأرض بالسماء، ويجعل من حياتنا رحلة متصلة نحو الغاية الأسمى.
إن النجاح في الدنيا والقبول في الآخرة لا يتحققان بجهد عابر أو اندفاع مؤقت، وإنما بمسيرة طويلة من العمل الصالح المتواصل. المداومة وحدها هي التي تمنح لحياتنا اتساقًا ومعنى، وتحوّل خطواتنا الصغيرة إلى بناء متكامل يزداد ثباتًا مع الأيام.
دعوة للجميع لنحول كلمة «دوام» إلى شعار إيجابي يذكّرنا بأن الاستمرارية في الخير، والعلم، والعطاء، هي سر السعادة في الدنيا، وطريق النجاة في الآخرة. ولنردّد مع كل صباح: «يلا دوام»… دوام على العمل الصالح، دوام على التعليم، دوام على ما يبني الإنسان ويرتقي بالمجتمع.
@maryamhamadi
أصبح التغيير سمة أساسية في عالمنا. تتطور التقنيات بسرعة، وتتغير المهن وأساليب العمل والتعليم والتواصل، ويدخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل متزايدة من حياتنا. وفي ظل هذا التحول، أصبحت المرونة والابتكار والقدرة على التكيف متطلبات ضرورية...
حين تتسارع التحولات من حولنا، لا يكفي أن نسأل عمّا يتغير في أنماط الحياة والعمل والتواصل، بل يصبح من المهم أن نسأل أيضاً عمّا يحدث للمعاني التي توجه الإنسان وتضبط علاقته بنفسه ومجتمعه ووطنه. فالقيم...
ليست كل التحولات التي تمر بها المجتمعات أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ فبعضها يترك وراءه أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجعل ما كان يبدو تفصيلًا في الأمس جزءًا من حسابات اليوم. والمجتمعات الأكثر وعيًا ليست...
نتفق على كثير من القيم، ونحرص على انتقالها بين الأجيال، ونستحضرها عندما نتحدث عن المجتمع الذي نريده. لكننا نواجه اليوم سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تعيش هذه القيم في واقع يتغير من حولنا؟ فالقيم قد تظل...
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. تضعنا هذه الآية أمام أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في بناء الإنسان والمجتمع: أن القيم لا تنتقل بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى نموذج يجعلها مرئية في...
في الحديث عن القيم، لا تكمن المشكلة دائماً في ضعف القيم لدى الأفراد، بل قد تكون في وجود فجوة بين القيم التي نعلن أهميتها، والقيم التي تكافئها الممارسة الاجتماعية. فقد نتفق على قيمة ما، وندعو...
عندما نتحدث عن تطور الاقتصاد، نعود إلى الأرقام والمؤشرات. وعندما نتحدث عن التعليم، ننظر إلى النتائج وجودة المخرجات. وعندما نقيس التنمية، نستخدم مجموعة واسعة من المؤشرات التي تساعدنا على معرفة أين نحن، وإلى أين نتجه....
في الحديث عن التطور القيمي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن القيم ذاتها: من يصنع قيم المجتمع؟ ومن المسؤول عن تعزيزها وحمايتها وتطويرها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم؟ قد تكون الإجابة الأولى هي...
منذ سنوات، يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في خطاباته على التأكيد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشروعات ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة المجتمع...
في أحد تصريحاته، قال إيلون ماسك إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها العمل اختياريًا. انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد: كم وظيفة ستختفي؟ لكن ربما كان السؤال الأهم مختلفًا تمامًا: ماذا سيبقى للإنسان إذا...
مقال يستحق القراءة كتبته سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني بعنوان «يُبا»، مستعيدة فيه سيرة والدها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، من خلال قيمه الإنسانية، ومنهجه في...
إن الثناء الصادق الذي يخرج من القلوب ليس مجاملةً تُقال في ساعة الفقد، وإنما شهادةٌ على حياةٍ امتلأت بالعطاء، وأثرٍ بقي بعد رحيل صاحبه. وحين يجتمع الناس على الدعاء لرجل، ويستحضرون إنجازاته قبل اسمه، فإنهم...