


عدد المقالات 369
حرية الصحافة في السودان لا تنفصل عن قضية الحريات العامة. ولذلك لا تكون الدعوة إلى حرية الصحافة بمعزل عن دعوة عامة إلى نظام ديمقراطي يكفل كافة الحريات. لكن هذا لا يعني أيضاً أن الصحافة محصورة بين خياري الحرية الكاملة والكبت، لا غيرهما. فقد تجد الصحافة من مساحات الحرية ما يعينها على لعب دور مقدر ولو لم تكن الحرية كاملة. هذا ما يحدث الآن في السودان الذي لم يكتمل فيه التحول الديمقراطي. لكن الانفراج النسبي الكبير الذي أفرزته اتفاقية السلام الشامل أتاح للصحافة مساحات معتبرة. حتى عاد مألوفاً أن يجد القارئ في الصحيفة نقداً صريحاً للأداء الحكومي بل والطعن في شرعية النظام. يطالب الصحافيون بمزيد من مساحات الحرية باعتبار الحرية الصحافية حقا أصيلا، وأن الحريات المتاحة الآن -رغم نقصها- ليست منة من السلطة. ومع الإقرار بحق الصحافيين في هذا المطلب. لكنه يكتمل باستصحاب رأي المتابعين للأداء الصحافي حول مستوى الصحافة، وهي تتمتع بالحرية النسبية. أي مستوى المسؤولية حيال الحرية. يرى كثيرون أن الصحافة السودانية لم توظف المساحات المتاحة التوظيف الأمثل في طرح قضايا أساسية. وبهذا لا تضطلع الصحافة بدورها الأصيل في نشر الوعي وقيادة الرأي العام بفهم الصفوة التي تدير توجه التحرير الصحافي. بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، متهمين قادة العمل الصحافي بقلب الصورة حتى أصبح القارئ يقود اتجاهات الصحف. فتداهنه الصحافة بتحسس ميول القارئ بأساليب الإثارة وهي (تفجر) بين حين وآخر ما يشبع ميول العامة. يميل العوام إلى الإدانة المسبقة للمسؤول. وهذا يتطلب من صحافة الإثارة التهويل وعدم الاستيثاق والتعجيل بالإدانة. لكن الصحافيين يردون على هذه المزاعم بأن المعلومات غير متوافرة من نظام لا يعتمد الشفافية ضمن مبادئه. فتكون المعلومات حول قضية ما اجتهادا صحافيا بعد أن أصبحت المعلومات العادية من أسرار الدولة. ويشيرون إلى بدعة النظام القائم في السودان الذي يمنع ديوان المراجع العام من مراجعة ميزانية بعض المؤسسات. فإذا كان ديوان المراجع العام لا يستطيع الوصول إلى بعض المؤسسات المقدسة فإن الصحافة أعجز. ومع ذلك تمكنت الصحافة من كشف مخالفات خطيرة ومحاصرة الفساد بجهد صحافي خالص. ومع الإقرار بهذه الدفوع فإن أصحاب الرأي السلبي في أداء الصحافة يرون أن ضعف المعلومات في الأعمال الصحافية ليس مرده على الدوام حجب المسؤولين للمعلومات. ويستدلون في ذلك بعدم سعي الصحافيين لمعلومات متاحة. وعلى سبيل المثال لم تقدم الصحافة تحقيقات عادية ذات صلة بقرار الحكومة الأخير حول رفع الدعم عن المحروقات، توضح فيه –مثلاً- عدد السيارات في مؤسسة حكومية لتكشف الترف الذي تمارسه الحكومة في إهدار المواد البترولية كما تدعي المعارضة، أو الصرف المعقول كما تزعم الحكومة. وبغياب مثل هذه المعلومات المتاحة في أي عمل صحافي خاص بالمحروقات. سارت المعالجات الصحافية إما على طريقة هتافات المتظاهرين أو توعد الحاكمين. وفي رواية أخرى إما بتهديدات المعارضة أو سخرية الحكام من المعارضين.. ولا معلومات هنا ولا هنالك. تجد مقالات الرأي في الصحافة السودانية اهتماماً أكبر. لكن يلاحظ اهتمام كتاب الرأي بقضايا محددة، حيث تصب كثير من المقالات في موضوع التحول الديمقراطي. وينعى الناقدون على صحافة الرأي عدم ولوجها إلى العمق. إذ تكتفي بالمناداة بتحقيق الإطار الشكلي للديمقراطية المتمثل في إجراء انتخابات حرة نزيهة. وهي وصفة أصبحت لكثرة تكرارها وصية يسير بها المدرك لمعناها والجاهل لكنهها. ويرى المتحفظون على هذه الوصفة البسيطة أن مشكلة السودان ليست في عدم الاعتراف بالتعددية الحزبية، بل يكمن سر فشل الدولة السودانية في الفشل في إدارة التعدد والتنوع في السودان حتى في العهود الديمقراطية. وإذا لم يناقش هذا الأمر بعمق فإن النظام الديمقراطي القادم سوف يأتي حاملاً عجزه السابق ولا يعرف من التعدد سوى الاعتراف بالتعددية الحزبية. وقد لا يحقق من الديمقراطية سوى شكل تحكم فيه مجموعة بأغلبية ميكانيكية يتحول بعدها حكم الأغلبية إلى دكتاتورية الأغلبية. لكن هذا النقد سرعان ما يحوله القائمون على أمر الصحافة إلى النخب السودانية التي تتناول الشأن العام بهذا المستوى. ولا تقوم الصحف إلا بنشر هذه الآراء التي تعتبر الأفضل من بين المعروض. وبعبارة أخرى يرى الصحافيون أن هذه العلة -إن وجدت- ليست مسؤولية صحافية. يقول أهل الصحافة والمدافعون عن الحريات بصفة عامة إن أي نقد يوجه للأداء الصحافي لا يكون ذريعة لكبت الحريات الصحافية. ويرى هؤلاء أن أشد المهاجمين للصحف السودانية لم يزعم أنها انحطت لدرك الإسفاف. وعليه فإن اللجوء للقضاء هو الوسيلة الوحيدة والمثلى للفصل بين المتخاصمين. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بحالات كثيرة برأ فيها القضاء صحافيين وصحفا من تهم بالكذب أو إشانة السمعة. ولذلك فلا داعي لإطلاق تهم جزافية بتدني الأداء الصحافي في السودان وكأنه حقيقة مسلم بها. ولا داعي لتعليق صدور الصحف الذي أصبح مألوفاً. حرية الصحافة، شأنها شأن قضية الحرية بكل عمقها واتساعها، تثير جدلاً لا ينتهي.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...