


عدد المقالات 417
من القصص التي وثقتها الكتب، قصة المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبس الذي علق مع طاقمه على سواحل جامايكا، كان ذلك في رحلته الرابعة إلى العالم الجديد، في 29 فبراير من عام 1504، بعد أن تعطلت سفنهم وباتوا يعتمدون على سكان الجزيرة الأصليين في تأمين الغذاء. غير أن هؤلاء السكان سرعان ما أوقفوا الإمدادات، بعد أن ساءت معاملتهم من قبل المهاجرين. في تلك اللحظة الحرجة، لجأ كولومبس إلى حيلة قائمة على معرفة فلكية دقيقة؛ إذ كان يملك جداول رياضية من إعداد الفلكي الألماني ريغيو مونتانوس، وفيها توقيت كسوف كلي للقمر. استغل كولومبس هذه المعلومة ليزور خطابا دينيا يخاطب به زعماء القبيلة، مهددًا إياهم بأن “الإله غاضب” لتوقفهم عن إطعامه وطاقمه، وسيُعاقبهم بإخفاء القمر. وعندما بدأ الكسوف فعلًا، أصيب السكان الأصليون بالذعر، وسارعوا إلى استعطاف كولومبس ليتوسل إلى إلهه كي يُعيد القمر. وبعد أن انقضى الكسوف، عاد الضوء للقمر، فعاد معه تعاون السكان الأصليين، واستأنفوا تزويد البحارة بالغذاء حتى مغادرتهم. تحمل هذه القصة بين سطورها دلالات عميقة تتجاوز الحيلة الفلكية في ظاهرها. لقد حول كولومبس المعرفة إلى خدعة وأداة سلطة، تُمارس من غير سلاح، وتخضع بها شعوبٌ بأكملها. لم يكن كولومبس بحاجة إلى الجيوش، فقد قدّم نفسه كوسيط بين الإله والناس، مستخدمًا سلطة الرمز الديني.هذا النموذج من التلاعب الثقافي لم ينتهِ بانتهاء الاستكشافات الكبرى، بل ما زالت آلياته قائمة بأشكال أكثر حداثة، عبر الإعلام والتقنيات والهيمنة الرمزية. حين تُفرض منظومة قيمية واحدة تحت شعارات عالمية، أو تُستخدم أدوات التواصل لصناعة وعي مشوّه، فإننا لا نبتعد كثيرًا عن مشهد كولومبس وسكان جامايكا، بل تظهر سيطرة المتحكم في المعرفة، مفهوم “التلاعب الثقافي”، هو توظيف متعمد لفجوة الفهم والمعرفة، ولتحقيق الهيمنة، دون الحاجة إلى صراع مباشر، إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في امتلاك المعرفة، بل في أخلاقيات استخدامها. فوعي الشعوب بثقافاتها، وبقيم التبادل العادل، هو ما يصنع الحصانة الحقيقية من كل تلاعب ناعم. وإن كان كولومبس قد أخفى القمر في قصة، فإن الأهم ألا يُحجب الوعي في واقعنا الثقافي المعاصر. @maryamhamadi
نحتفي في شهر أبريل بأيام الإبداع والفكر، حيث يُحتفى باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، واليوم العالمي للإبداع والابتكار، واليوم العالمي للملكية الفكرية. وفي هذا التزامن، تتجدد الحاجة إلى إعادة قراءة موقع الإعلام في منظومة التحول...
اليقين واللا يقين، مفردات نتناولها، ترتبط بالإيمان والثقة، وشرعاً اليقين: أن يكون الإنسان مؤمناً بالله عن جزمٍ ويقين، يؤمن بأن الله ربه، معبوده الحق، وأنه لا يستحق العبادة سواه، وأنه خالق كل شيء، وأنه الكامل...
في أوقات الحروب وما تخلّفه من تداعيات مركّبة، لا يُقاس تماسك الدول والمجتمعات بقدرتها على المواجهة المباشرة فقط، بل بمدى قدرتها على حماية استمرارية الحياة العامة: التعليم، والعمل، والخدمات، والنسيج الاجتماعي. هذه الاستمرارية تمثل أحد...
في لحظة عفوية صادقة، قالها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، عبارة بقيت في الذاكرة الجمعية: لو أمكن لوضع شعبه «تحت بشته». البشت ليس لباسا تقليديا فقط، بل رمز للمكانة...
في الحروب، النصر ليس دائماً للأقوى، بل كثيراً ما يكون لمن يفهم كيف يُدير الموقف بذكاء. ولهذا ظهرت عبر التاريخ ما يُعرف بحِيل الحروب، وهي ببساطة طرق ذكية يُستخدم فيها الإيهام أو التمويه أو التوقيت...
لابد أنكم تعرفون لعبة البولينج، هي لعبة تلعب فرديًّا أو جماعيًّا، حيث يقذف اللاعبون بكرة كبيرة مصنوعة من اللدائن الثقيلة الوزن لإصابة أكبر عدد ممكن من القطع الخشبية الموضوعة في نهاية مضمار طويل وتحتسب نقطة...
قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام: «الحرب خدعة» (رواه البخاري ومسلم)، وهي قاعدة عميقة في فهم طبيعة الصراعات عبر التاريخ. فالحرب لم تكن يوماً مواجهة عسكرية فقط، بل كانت دائماً ساحةً للمعلومة، والإشاعة، والتأثير النفسي،...
الأمن نعمة عظيمة تقوم خلفها جهودٌ كبيرة، وتضحياتٌ مستمرة، ويقظةُ رجالٍ يسهرون ليبقى الوطن آمناً مطمئناً. هم رجالنا وأبناؤنا وإخواننا، هم الأهل وأبناء الفريج. نعم، هي قطر الدولة، هي الفريج الواحد، والأسرة الواحدة، والراية الواحدة،...
من أجمل العبارات التي تداولها الناس في هذا الوضع في دولة قطر والدول المجاورة، عبارة: «غادر الأخبار والزم مصحفك، للوطن ربٌّ يحميه، وللأحداث رجالها، ورمضان لا يُعوَّض». نعم، كلٌّ يقوم بدوره؛ فمن يقوم بالحماية يقوم...
الزمن لا يعيد تشكيل الأدوار من فراغ، بل يفعل ذلك انطلاقًا مما تراكم من تجربة وفهم واتساع في الرؤية. ومع تغيّر المراحل، تتطور الطرق التي نؤدي بها الأدوار، بينما تبقى القيم ثابتة، تؤدي دورها كمرجعية...
الذكاء الاصطناعي تعدّى أن يكون تطورًا تقنيًا يُقاس بقدرته على الأتمتة ورفع الكفاءة، فأصبح قوة بنيوية تعيد تشكيل أنماط العمل، وتعيد توزيع الدخل، وتختبر قدرة الدول على حماية تماسكها الاجتماعي وهويتها الوطنية. فالإشكالية المركزية اليوم...
إنه العام 3030، تواصل عمليات التنقيب على الآثار جهودها، للوصول لتفاصيل الحياة البشرية، في القرون السابقة، بعد أن تعرض التاريخ لفصل في البيانات أدى الى اختفاء الذاكرة الرقمية، حيث لم تعد عمليات التنقيب تُجرى في...