


عدد المقالات 443
من القصص التي وثقتها الكتب، قصة المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبس الذي علق مع طاقمه على سواحل جامايكا، كان ذلك في رحلته الرابعة إلى العالم الجديد، في 29 فبراير من عام 1504، بعد أن تعطلت سفنهم وباتوا يعتمدون على سكان الجزيرة الأصليين في تأمين الغذاء. غير أن هؤلاء السكان سرعان ما أوقفوا الإمدادات، بعد أن ساءت معاملتهم من قبل المهاجرين. في تلك اللحظة الحرجة، لجأ كولومبس إلى حيلة قائمة على معرفة فلكية دقيقة؛ إذ كان يملك جداول رياضية من إعداد الفلكي الألماني ريغيو مونتانوس، وفيها توقيت كسوف كلي للقمر. استغل كولومبس هذه المعلومة ليزور خطابا دينيا يخاطب به زعماء القبيلة، مهددًا إياهم بأن “الإله غاضب” لتوقفهم عن إطعامه وطاقمه، وسيُعاقبهم بإخفاء القمر.
وعندما بدأ الكسوف فعلًا، أصيب السكان الأصليون بالذعر، وسارعوا إلى استعطاف كولومبس ليتوسل إلى إلهه كي يُعيد القمر. وبعد أن انقضى الكسوف، عاد الضوء للقمر، فعاد معه تعاون السكان الأصليين، واستأنفوا تزويد البحارة بالغذاء حتى مغادرتهم. تحمل هذه القصة بين سطورها دلالات عميقة تتجاوز الحيلة الفلكية في ظاهرها.
لقد حول كولومبس المعرفة إلى خدعة وأداة سلطة، تُمارس من غير سلاح، وتخضع بها شعوبٌ بأكملها. لم يكن كولومبس بحاجة إلى الجيوش، فقد قدّم نفسه كوسيط بين الإله والناس، مستخدمًا سلطة الرمز الديني.هذا النموذج من التلاعب الثقافي لم ينتهِ بانتهاء الاستكشافات الكبرى، بل ما زالت آلياته قائمة بأشكال أكثر حداثة، عبر الإعلام والتقنيات والهيمنة الرمزية. حين تُفرض منظومة قيمية واحدة تحت شعارات عالمية، أو تُستخدم أدوات التواصل لصناعة وعي مشوّه، فإننا لا نبتعد كثيرًا عن مشهد كولومبس وسكان جامايكا، بل تظهر سيطرة المتحكم في المعرفة، مفهوم “التلاعب الثقافي”، هو توظيف متعمد لفجوة الفهم والمعرفة، ولتحقيق الهيمنة، دون الحاجة إلى صراع مباشر، إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في امتلاك المعرفة، بل في أخلاقيات استخدامها. فوعي الشعوب بثقافاتها، وبقيم التبادل العادل، هو ما يصنع الحصانة الحقيقية من كل تلاعب ناعم. وإن كان كولومبس قد أخفى القمر في قصة، فإن الأهم ألا يُحجب الوعي في واقعنا الثقافي المعاصر.
@maryamhamadi
حوى خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام مجلس الشورى، في الانعقاد الخامس والخمسين، توجهات مرحلة تقوم على حماية الوطن، واستمرار التنمية، ورفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز مسؤولية المجتمع....
بالتزامن مع احتفاء دولة قطر بيوم المعلم، كنت ولا أزال فخورة بأنني كنت معلمة. قصص تتقاطع فيها الأماكن والأسماء، لتنتج الجديد باستمرار. كنت معلمة، ولأن التعليم لم يكن بالنسبة لي وظيفة تنتهي داخل الصف مع...
مع عودة موسم الندوات والحوارات الفكرية، تعود الثقافة إلى واحدة من أهم وظائفها: أن تفتح الأسئلة التي تتجاوز اللحظة، وتساعد المجتمع على التفكير في ذاته وفي الاتجاه الذي يمضي إليه. وفي أولى هذه الحوارات حضرت...
أصبح التغيير سمة أساسية في عالمنا. تتطور التقنيات بسرعة، وتتغير المهن وأساليب العمل والتعليم والتواصل، ويدخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل متزايدة من حياتنا. وفي ظل هذا التحول، أصبحت المرونة والابتكار والقدرة على التكيف متطلبات ضرورية...
حين تتسارع التحولات من حولنا، لا يكفي أن نسأل عمّا يتغير في أنماط الحياة والعمل والتواصل، بل يصبح من المهم أن نسأل أيضاً عمّا يحدث للمعاني التي توجه الإنسان وتضبط علاقته بنفسه ومجتمعه ووطنه. فالقيم...
ليست كل التحولات التي تمر بها المجتمعات أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ فبعضها يترك وراءه أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجعل ما كان يبدو تفصيلًا في الأمس جزءًا من حسابات اليوم. والمجتمعات الأكثر وعيًا ليست...
نتفق على كثير من القيم، ونحرص على انتقالها بين الأجيال، ونستحضرها عندما نتحدث عن المجتمع الذي نريده. لكننا نواجه اليوم سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تعيش هذه القيم في واقع يتغير من حولنا؟ فالقيم قد تظل...
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. تضعنا هذه الآية أمام أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في بناء الإنسان والمجتمع: أن القيم لا تنتقل بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى نموذج يجعلها مرئية في...
في الحديث عن القيم، لا تكمن المشكلة دائماً في ضعف القيم لدى الأفراد، بل قد تكون في وجود فجوة بين القيم التي نعلن أهميتها، والقيم التي تكافئها الممارسة الاجتماعية. فقد نتفق على قيمة ما، وندعو...
عندما نتحدث عن تطور الاقتصاد، نعود إلى الأرقام والمؤشرات. وعندما نتحدث عن التعليم، ننظر إلى النتائج وجودة المخرجات. وعندما نقيس التنمية، نستخدم مجموعة واسعة من المؤشرات التي تساعدنا على معرفة أين نحن، وإلى أين نتجه....
في الحديث عن التطور القيمي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن القيم ذاتها: من يصنع قيم المجتمع؟ ومن المسؤول عن تعزيزها وحمايتها وتطويرها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم؟ قد تكون الإجابة الأولى هي...
منذ سنوات، يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في خطاباته على التأكيد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشروعات ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة المجتمع...