


عدد المقالات 80
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس شيءٌ أشقّ من بذل المال، فلذا يختبئُ البخلاءُ خلفَ ستارٍ من دناءة النفس أَوْهَى من بيت العنكبوت، فليستْ نفوسُهم كريمةً ولا تقدر على الكرم، فإذا أرادوا التشبه بالأجواد جذبتهم تلك النفوس إلى الخوف من الفقر، وعَدِّ الريالات ريالاً ريالاً، خوفاً من ظلمات المستقبل. مسكينٌ هو! يشفق عليه كرماءُ الرجال، لأنه معذبٌ داخلَ جِلْدِه، ونفسُه تقعقعُ بين جنبيه، فلا تأمره إلاّ بالبخل واختلاق الأعذار، كي يهرب من مواجهة الرجال، ولا يغار من جود الأجواد، الذين تسمو نفوسُهم وتتعالى على كلِّ صغير، وترفع رايات الجود بكل فرحٍ وابتهاج، وتجدُ فيه لذَّتَها التي لا تعدِلُها لذةً. يا أبا الطيب! كم في زماننا من صغارٍ يخشون الجود كخشيتهم الموت أو أشد خشية! ما نصيحتك لهم؟ على فرضِ أنك ستنظر إليهم بعين الرحمة والإشفاق، لا الاحتقار، وإن كانوا أهلَه وأحقَّ به! قال: لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديْهَا وَلا مالُ ** فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ! نعم! يا أيها البخلاء الجبناء! إن لم تجودوا بأموالكم ولن تفعلوا، فلا أقلَّ من أن تُحسنوا بألسنتكم يا معشر البخلاء! في عُرف الكرماء أنّ البشاشة في وجه الضيف هي أعظمُ ضيافةٍ، فكانوا يضاحكون أضيافهم قبل أن يُنزلوا رحالهم من على ظهور الإبل، ويجدُ ضيفُهم عندهم الخِصبَ كله، وإن كانوا فقراء، وكانت فلسفتهم تقوم على أن الجود والكرم ليس بكثرة الإطعام، ولكن بوجهٍ مُشرقٍ ضاحكٍ في وجوه الأضياف، وقد ترجم هذا كلُّه كريمُ العرب حاتِم الطائي، فله أبياتٌ تُكتبُ بالذهب: أُضاحِكُ ضَيفي قَبلَ إِنزالِ رَحله **وَيُخصِبُ عِندِي وَالزَمانُ جَديبُ وَما الخِصبُ لِلأَضيافِ أَن تُكثِرَ القِرَى**وَلَكِنَّما وَجهُ الكَريمِ خَصيبُ! الجودُ اليوم عند الناس أصبح بالمقلوب، حتى عند بعض دولنا العربية الكريمة، فيبدأ الإنفاقُ الباذخُ على (أقدام) اللاعبين، ثم يرتفع قليلاً حتى يصل إلى (أوساط) الراقصات! فكلما زاد اهتزازُها تناثرت عليها الدراهم والدنانير! ثم يرتفع قليلاً حتى يصل إلى (حناجر) المغنين والمغنيات، فيأتيهم الجودُ ترفرفُ به أجْنِحةُ (الشيكات)، ثم يرتفع إلى أقصى (أدمغة) العلماء والأساتذة، الذين لا ينالُهم من هذا الجود إلاّ الفُتات! وأعتذِرُ لأبي الطيب، وحاتم الطائي، فلا أستطيع أن أُترجِمَ لهما كلمةَ (الشيكات)! إنّ أجود الناس من جاد بماله صوناً لوجهٍ كريمٍ مرَّغَتْه الأيامُ في وَحْلِ الديون، أو نوائب الدهر، وصوناً لنفسه هو عن اللؤماء، وما أحسن ما قال قائلُ هذه الأبيات: سأبذلُ مالي كُلَّما جاء طالبٌ ** وأجعلُه وقفاً على القَرضِ والفَرضِ! فإمَّا كريماً صُنْتُ بالجُودِ عِرضَه**وإمَّا لئيماً صُنْتُ عن لؤمِه عِرضي! وأجودُ الأجواد من يتنبه بذكائه إلى حاجةِ كريمٍ كَسَرَه الدهرُ، فيقرأُ في وجهه ما وراء تلك الانكسارة، فَيَهتمُّ لها حتى يجبُرَ كسرَ، ويأخذَ بيده، فكأنه قذًى في عيني هذا الجواد، حتى تزول عن صاحبه نكباتُ الزمان: رأى خَلَّتي من حَيْثُ يخفى مَكَانُهَا ** فَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ حَتَّى تجلَّتِ! مع السلامة!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...
الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...