alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

بكاؤهم!

12 أبريل 2017 , 02:01ص

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى كان كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة ما هو ألين من بعض القلوب!. حتى أبو الطيب يبكي! هل تعجبون من هذا؟! يقف على أطلال الذكريات فيبكيها وتبكي معه الإبل، وأصحابه، لكنه بكى قبلهم، استجابة للأطلال: أجابَ دَمعي وما الدّاعي سوَى طَلَلِ**دَعَا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَّكبِ وَالإبِلِ!! ويستمر بكاؤه ونشيجه، ويفشل في كفكفة دمعه، وظلَّ دمعه كالمطر يتقافزُ من عينيه، وظلَّ أصحابُه بعضُهم يعذرُه، وبعضُهم يعذلُه، وهو.. هو لا يلتفت إليهم، بل يلتفت بقلبه إلى ذكرياته.. تلك الذكريات التي استجلبت دموعه: ظَلِلْتُ بَينَ أُصَيْحابي أُكَفْكِفُهُ**وَظَلّ يَسفَحُ بَينَ العُذْرِ وَالعَذَلِ يشكو البعد، والهجر، وهم يتعجبون منه ومن عبرته، وهو يتعجب من تعجبهم: أشكُو النّوَى ولهُمْ من عَبرَتي عجبٌ** كذاكَ كنتُ وما أشكو سِوَى الكِلَلِ! لماذا كل هذا البكاء يا أبا الطيب؟ قال: لأني أشتاق ولا أملَ للقائهم، أيستوي هذا مع من يشتاق ويأمل؟! قلت: لا، فقال: وَمَا صَبابَة مُشْتاقٍ على أمَلٍ** مِنَ اللّقَاءِ كمُشْتَاقٍ بلا أمَلِ! وما زلت تتألم يا أبا الطيب؟ قال: الغريق لا يخاف من البلل!: وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ** أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ! أما غيرُ أبي الطيب.. فهذا أغزلُ شُعراء العَرب، فيلتذُّ بالبُكاء، فكأنَّ الذي يقرأ يسمعُ نشيجَه ونشيجَها، وجدها ساعة التلاقي مخضبة الأنامل، فتعجب! فبدأ بالعتاب: ولما تلاقينا وجدتُ بنانها ** مخضبة تَحكي عُصارة عَندمِ فقلتُ: خضبتِ الكفَّ بعدي؟!، أهكذا** يكون جزاءُ المستهامِ المتيم فبكت، واعتذرت بحرقة: فقالتْ وأبدتْ في الحشى حرقَ الجوى** مقالة من في القول لم يتبرمِ لا تظلم، فإني لستُ ممن تتزين للفراق: وعيشِكَ ما هذا خِضاباً عرفتهُ** فلا تكُ بالبهتانِ والزور ظالمي! وأنت كنت لي كل شيء: ولكنني لما رأيتك راحلاً** وقد كنتُ لي كفي في الحياة ومعصمي! فبكيتُ لفراقك فمسحت عيني بأطراف أظافري فأصبحت حمراء من لون دمي!!: بكيتُ دماً يوم النوى فمسحتهُ** بكفي فاحمرَّتْ بناني من دمي! فتمنى هو أنْ لو بكى قبلها، لكن تجنب الندم: ولو قبل مبكاها بكيت صبابة** لكنتُ شفيتُ النَّفسَ قبل التَّندمِ فبكى لبكائها، والفضل في الحالين لها!: ولكن بكتْ قبلي فهيج لي البكا ** بكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدمِ بكى عليها، فليس يشبهها أحدٌ في العرب والعجم: بكيتُ على مَن زيَّن الْحُسْنُ وجهَهَا** وليس لها مِثْلٌ بِعُرْبٍ وأَعجمي! هذا حالُ أغزلِ العرب. لا شيء أعظم وأقسى من دموع الرجال في منتصف الليل الأسود، وما أجمل ما قاله الأمير العربي الأصيل الأسير أبو فراس الحمداني: إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى** وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ! بعد أن كان: (عَصِي الدّمعِ شِيمَتُه الصّبرُ!!). سُئِل ابنُ النحاس مرة عن حال المحبين فقال: لا تسلْ عنْ حَالِ أرباب الهوى ** يا ابنَ ودي ما لهذا الحال شَرحُ! إنما حَالُ المحبين البُكاء** أي فضلٍ لسحابٍ لا يَسِحُّ؟! إلى لقاء قريب.

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...

شذراتٌ من وحي الغربة

الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...