


عدد المقالات 80
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ بفكري في جمال جبالها، وفتنة ظبائها، وعليل نسيمها، وتذكرتُ هُيامَ شاعرها ابن زيدون (1071م) بالأميرة الأندلسية الولاّدة بنت المستكفي (1091م)، وقصيدته التي لم تمُت مع ما مات من شعر الأندلس، بل ظلّ قلبُها ينبض عشقاً، كقلب شاعرها، فهو يشكو من حُبّه لها، وبُعدِها عنه، بأرقى العبارات وأرقِّ الألفاظ، وأحسن المعاني، ويقارن بين أمسه العذب، ويومه العذاب، وشتان ما بين العذوبة والعذاب، فيتعجب كيف حلّ الهجر والبعد مكان القرب، وحلّ الجفاءُ بيننا بدلاً عن طيب اللقاء: أضْحَى التّنائي بَديلاً منْ تَدانِينَا وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبّحَنا حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا هل من أحدٍ يبلغ الأحبة الذين ألبسونا حزناً دائماً بفراقهم وجفوتهم أن ذلك الزمان الذي كنا نضاحكهم فيه، ونأنسُ بقربهم، قد أصبح يُبكينا؟!: مَنْ مبلغُ الملبسِينا بانتزاحِهمُ حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا أَنَّ الزَمانَ الَّذي ما زالَ يُضحِكُنا أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا؟! عينٌ أصابتنا، وحقد علينا الأعداء، وحسدونا لما رأونا نسقي بعضنا ماء الهوى، فدعَوا علينا أن نغصَّ فرفع الدهرُ يديه وقال: آمين: غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدهر آمينَا كنا لا نخشى الفراق، واليوم لا أمل في اللقاء: وَقَدْ نَكُونُ وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا لا تحسبوا أننا خُنّا عهدكم، فليس لكم عندنا إلا الوفاء: لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا ومنذ ابتعدتم عنا، وفارقناكم لم تجفّ دموعنا، ولم يهدأ شوقنا، وإذا ذكرناكم نكاد نموت من الحزن لولا صبرنا: بِنْتُم وَبِنّا فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا شَوْقاً إلَيكُمْ وَلا جَفّتْ مآقِينَا نَكادُ حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا اسودّت أيامنا بعدكم، بعد أن كانت ليالينا السودُ بيضاً في عهدكم: حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا فغَدَتْ سُوداً وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا سقى الله أيامَ وصلكم: ليُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السّرُورِ فَما كُنْتُمْ لأروَاحِنَا إلاّ رَياحينَا لم نتغير بعدكم، ومن عادة البُعد أن يُغيّر المحبين، فنحن باقون على العهد: لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا أنْ طالَما غَيّرَ النّأي المُحِبّينَا! وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا لم نذكر اسمك إجلالاً لك وإكراماً؛ لأن شريف نسبك وحسبك وقدرك العالي يغني عن ذكر اسمك: لَسنا نُسَمّيكِ إجْلالاً وَتَكْرِمَةً وَقَدْرُكِ المُعْتَلي عَنْ ذاك يُغْنِينَا ذهبت تلك الأيام، بعد أن كان الوصلُ ثالثنا، والسعد يغيظ أعداءنا، ولنا أملٌ في لقياكم بعد الممات: كأنّنَا لم نبِتْ والوصلُ ثالثُنَا وَالسّعدُ قَدْ غَضَّ من أجفانِ وَاشينَا إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا ولنا رجاء أن تبقي على العهد، فهذا طبع كريم النفس، وأصيل الأصل: دومي على العهدِ ما دُمنا مُحافِظة فالحرُّ مَنْ دانَ إنْصافاً كما دينَا فَما استعضْنا خَليلاً منكِ يحبسُنا وَلا استفدْنا حبِيباً عنكِ يُثنينَا أخيراً: إليكِ منّا سَلامُ اللَّهِ ما بَقِيَتْ صَبَابَةٌ بِكِ نُخْفِيهَا فَتُخْفِينَا!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...
الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...