alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

شذراتٌ من وحي الغربة

08 مارس 2017 , 02:01ص

الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ الخلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ ابحث.. ابحث في أفئدتهم عن دفءٍ في ليل الشتاء، لن تجد!.. وعن مأمنٍ لروعك وهمِّك وحُزنك، لن تجد.. من جرّب الغربة، وخلو نفسه من مؤنسها، ذاق طعم هذا البيت، ففي الغربة لا خليلَ ولا حبيب، إنما هي أوهامٌ يركب بعضها بعضاً، وشعاراتٌ هي أشبه بالسراب في رابعة النهار. وأقساها تلك التي تكون فيها في بلدٍ لا لسانُه لسانُك، ولا وجوه أهله وجهك! ولا شيء فيها يبعث على الحياة، حتى وإن تأملت في جمال شِعابها وشَعبها! فأعجبك حُسنه: مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني بمَنْزِلَة الرّبيعِ منَ الزّمَانِ وَلَكِنّ الفَتى العَرَبي فِيهَا غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ!! قد ينبو بك دهرُك وبلدك، ويصبح حلالاً لكل من أمَّه إلا أنتَ، يحرم عليك حتى هواؤه، فكأنه شجرة دوحة عظيمة تحرم على طيورها، ويحطُّ عليه كلُّ طير، من كل لونٍ، وكل جنسٍ، وكل نوعٍ، ففي هذه الطيور الأبيض والأسود، وفيها خبيث الرائحة واللون والمنظر، وفيها جميل الريش والصوت، وفيها وفيها، إلا أنتَ.. قال شوقي: أحرامٌ على بلابله الدَّوحُ حلالٌ للطير من كل جنس؟! كلُّ دارٍ أحقُّ بالأهلِ إلا في خبيثٍ من المذاهبِ رجسِ فكيف إذا كنتَ في غربة الأفكار، أتعلم ما غربة الأفكار؟ هي أن تكون في غربة داخل نفسك، وتحمل أفكاراً هي أرقى ممن حولك، فلا تجد لها في حلوقهم مساغاً، ولا في عقولهم مسكناً، فتصبح بينهم كالذي يُغنّي بين أناسٍ صُمِّ بُكمٍ عُمي فهم لا يبصرون!، وقصارى جهدهم أن يهزوا رؤوسهم غباءً: أنَا في أُمّة تَدارَكَهَا اللّهُ غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ! ما أعجبك يا أبا الطيب، حُسادك اتهموك بادعاء النبوة! لا يُذلّك إلى طلب الغربة إلا مرارة الزمن، وقسوة الحاجة، فتتلاشى مبادِئُك التي كنتَ تقدسُها، تقديس الفلاسفة لبناتِ أفكارهم، وتبكي على زمنٍ كنتَ فيه تمشي على جسرِ عزة نفسك، فلا تخاف السقوط، ولا أن يخونك الجسر، كنت يا أبا الطيب تأنف أن تتنازل عن العزة، وأن تقبل الظلم: فلا عَبَرَتْ بي ساعَة لا تُعِزّني ولا صَحِبَتْني مُهجَةُ تقبلُ الظُّلْمَا لم تكن وحدك في قولك: وهكَذا كُنتُ في أهْلي وفي وَطَني إنّ النّفِيسَ غَريبٌ حَيثُمَا كَانَا! كان يظنُّ أنه سيجد في غربته عظمة نفسه، ولن يخضع إلا لخالقه: تَغَرّبَ.. لا مُسْتَعْظِماً غَيرَ نَفْسِه ولا قابِلاً إلاّ لخالِقِهِ حُكْمَا فخاب ظنُّه في استعظام نفسه، وبقي له خالقه حاكماً. ما الذي جعل صدرك ضيقاً حرجاً كأنما يصّعد في السماء يا أبا الطيب؟ قال: ضاقَ صَدري وطالَ في طَلبِ الرّزْقِ قيامي وَقَلّ عَنهُ قُعُودِي إن كنتَ غريباً في وطنك، وغريباً في بلد اغترابك، ولم تجدْ أُنساً ولا أنيساً ولا طمأنينة.. فسلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم تموتُ غريباً!! نراكم على خير

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...