alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017 , 01:59ص

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف الجفون أمضى منها: نحن قومٌ تُذِيبُنا الأعينُ النُّجْلُ على أننا نُذِيبُ الحديدا!! بالغوا في تسميتها بالسيوف، أليست كالسيوف في تأثيرها؟! ألم ينتفض أشجعُ شجعان العرب عنترة بن شداد العبسي؛ خوفاً من سيوف ألحاظ محبوبته (عبلة)؟ وهو الذي تخافه شجعانُ العرب. رآها فسلّت سيوفاً قاتلةً من جفنيها الساجيتين، ذكّرته بسيف أبيها مرهف الحدِّ: وَسَلَّت حُساماً مِن سَواجي جُفونِها كَسَيفِ أَبيها القاطِعِ المُرهَفِ الحَدِّ العيون الساجية، هي الناعسة، الفاتنة الساحرة، هي فتنةٌ في نفسها، فكيف إذا سلت سيف فتنتها الذي يشبه في تأثيره سيف أبيها الشجاع؟ لكنها تقاتل بسيف ألحاظها وهو في غمده، فاعجب لسيفٍ يقطع وهو مُغمدٌ: تُقاتِلُ عَيناها بِهِ وَهوَ مُغمَدٌ وَمِن عَجَبٍ أَن يَقطَعَ السيفُ في الغِمدِ! لا أدري لماذا سرى هذا الشعور حتى استقر في عقل الشاعر السوداني: إدريس جمَّاع (١٩٨٠م) الذي وصفوه بالجنون، ولا أعلم من الذي يستحق هذا الوصف هو أم من وصفه؟! له قصة مشهورة، عندما ذهب للعلاج في مستشفى بلندن، فرأى عيني ممرضته فهام بها، وتغزّل بها، فشكته إلى المسؤولين هناك، فأمروها أن تضع على عينيها نظارةً سوداء، فلما دخلت عليه، وظنت أنها ستسلم من غزله، قال: السَّيفُ في الغِمدِ لا تُخشى مضاربه وسيفُ عَينيكِ في الحالين بتارُ!! فيقال إنها عندما تُرجم لها هذا البيت بكت!. سحرته عيناها فلم يكتم ما يجد رغم مرضه، فكأنها الخمر تذهب العقل: وَعَينانِ قالَ اللَهُ كونا فَكانَتا فَعولانِ بِالأَلبابِ ما تَفَعلُ الخَمرُ! ومن جميل ما حفظته في صغري أبياتٌ عجيبة، يشكو فيها الشاعر من حدة سيوف عيني المحبوبة، التي حسدته عليها عيون الزمان!: لي حبيبٌ إذا نظرتُ إليه سلَّ سيفاً عليَّ من مقلتيهِ لم أحصل منها على مبتغى، لكنّها ملكت مهجتي وجفتني أخذ الله بعضَ حقَّي منه قد جفاني ومهجتي في يديهِ وعبثاً حاول أن ينساها، وتوسل إلى فؤاده أن يتركها، فكأنه شجع فؤاده ألا يميل إلى أحدٍ سواها: كلما قلتُ يا فؤادي دعْهُ لا يميلُ الفؤادُ إلا إليه! ثم يشكو حسد الزمان: هو سُؤلي من الأنام ولكنْ حسدتني عينُ الزمان عليهِ! بالغ العربُ كثيراً في وصف تأثير العيون على القلوب، فاشتهر على ألسنة الناس تلك الأبيات: لَهَا مُقْلَة لَو أنَّهَا نَظَرَتْ بِهَا إِلَى رَاهِبٍ قَد صَام لِلّه وَابْتَهِلْ لأصْبَح مَفْتُوْناً مُعَنَّى بِحُبِّهَا كَأَن لَم يَصُم لِلّه يَوْمَاً وَلَم يصل! أما إيليا أبو ماضي فلم يجد مهرباً من سحر العيون إلا إلى التعوذ منها! وما أجمل ما قال: ليت الذي خَلق العُيون السّودا خلق القلوبَ الخافقاتِ حديدا لولا نواعسُها و لولا سِحرُها ما ودّ مالك قلبه لو صيدا عوّذ فؤادك من نبال لحاظها أو مُتْ كما شاء الغرامُ شهيدا!! مصيبته نظرةٌ خاطفةٌ أوقدت النيران في أعماق فؤاده: هي نظرةٌ عَرَضَتْ فَصارتْ في الحشا ناراً و صَار لها الفؤادُ وقودا! إلى اللقاء.

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...

شذراتٌ من وحي الغربة

الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...