


عدد المقالات 80
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في دنيانا يكذِبُ الذي يقول إنه لا يبحث عن رضا الناس، ففي أعمالنا أي الوظيفة -كما يسمونها عليها خطأً- لا بد من عبادة العباد، لكي تضمن بقاءك في مكانك، فترى التزلف في أبشع صوره، والتقارير التي تتكلف في صنعها ورفعها إليهم لترفعك في دنياك وتخسف بك في آخرتك، المهم أن تبقى مكانك! في دنيا الناس.. إن ضحكتَ قالوا: خفَّ عقلُه، أين الاحتشام؟ سقطتْ شخصيتُه، وفقد وقاره. وإنْ بكيتَ، لأنك بشرٌ، تبكي كما يبكي البشر، وقد بكى عظماءُ البشر، قالوا: كئيب! ابتسم يا أخي! لماذا البكاء؟ البكاء للنساء! وإن ابتسمتَ رغم الجراح، ونكبات السنين، وصفعات الزمن، قالوا: مُراءٍ، يريد مدح الناس! وإن تراكمت عليك سُحبُ الألم فتغير وجهك، وقطبت جبينك من وطأة الألم، قالوا: الآن ظهر ما كان يخفيه من أخلاق! ألم نقل لكم إنه يتصنع الأخلاق؟! فإن سئمتَ منهم ولزمتَ الصمتَ قالوا: غلبته الفهاهة، فلا يستطيع الكلام كفصحاء الرجال! وإن نطقتَ، وتكلمتَ كما يتكلم أبناءُ أبينا آدم، قالوا: مهذارٌ! لا يكفُّ عن الكلام! فإن كنتَ حليماً على أذاهم، اتهموك.. وقالوا: جبانٌ! لا يستطيع الانتصار لنفسه. فإن أظهرت شجاعتك، لأنك شجاعٌ رغماً عنهم، قالوا: هذا أرعن طائشٌ! وفي دُنيا الناس، إنك إذا صرختَ في وجوههم بكلمةِ: لا؛ لأنَّك تعتزُّ بنفسك وعقلك، قالوا: شذَّ عن عادات الناس، يريد التَّفرد. وإن وافقتهم على آرائهم؛ سآمةً منهم ومن أفعالهم قالوا: هذا إمعةٌ (مع الخيل يا شقرا)! فمن يستطيع إرضاء الناس؟! فلن ينصفوك أبداً، ولم ينصفوا صديقي القديم الطبيب الدكتور الشاعر محمد بن ظافر الشهري، حينما نسبوا هذه الأبيات العظيمة لغيره!، قال صديقي: ضحِكْتُ فقالوا: ألا تحتَشِمْ؟! بكيتُ فقالوا: ألا تبتسمْ؟! بسِمتُ فقالوا: يرائي بها عَبسْتُ فقالوا: بدا ما كَتَمْ صَمَتُّ فقالوا: كليلُ اللسان نطقتُ فقالوا: كثير الكَلِمْ حَلُمتُ فقالوا: صنيعُ الجبان ولو كان مقتدراً لانتَقَمْ بَسُلتُ فقالوا: لطيشٍ بهِ وما كان مُجْترِئاً لو حَكمْ يقولون: شذّ؛ إذا قلتُ: لا وإمَّعةٌ حين وافَقْتُهُمْ! فأيقنت أنّيَ مهما أُرِدْ رِضا الناس لا بدّ مِنْ أنْ أُذَمّ! كان الدكتور محمد منصفاً وواقعياً، أكثر من أبي الطيب، الذي امتلأ قلبه غيظاً على أهل زمانه، وليس لهم عنده إلا القتل لو قدر عليهم؛ لأنهم لو قدروا عليه لن يرحموه!: ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ مَعرِفتي بها وبالنّاسِ رَوّى رُمحَهُ غيرَ راحِمِ فَلَيسَ بمَرْحُومٍ إذا ظَفِروا بهِ ولا في الرّدى الجاري عَلَيهم بآثِمِ فهو يقول: إن كان قد جربهم رجلٌ لبيبٌ قبل أبي الطيب فهو إنما ذاقَهُم ليس أكثر، أما أبو الطيب فإنه لم يذقْهُم فحسب بل أَكَلَهمْ!، وعرف أسرارهم وما يخفون، فوجدهم مخادعين في ودادهم، منافقين في دينهم!: إذا ما النّاسُ جَرّبَهُمْ لَبِيبٌ فإنّي قَدْ أكَلْتُهُمُ وَذاقَا فَلَمْ أرَ وُدّهُمْ إلاّ خِداعاً وَلم أرَ دينَهُمْ إلاّ نِفَاقَا نراكم على خير!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...
الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...