قطر.. من البناء للانطلاق
18 ديسمبر 2014 , 07:07ص
ذكريات متراكمة، أثارتها تلك المناسبة العزيزة على كل عربي بصفة عامة، والقطري بصفة خاصة، وهي الاحتفال باليوم الوطني لدولة قطر. فقد كان لي شرف متابعة التجربة القطرية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأكثر من ربع قرن، بحكم عملي كمحرر للشؤون العربية في دار أخبار اليوم المصرية. وأتذكر أن أول زيارة لي للعاصمة الدوحة كانت في نهاية الثمانيات، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الأسبوع الماضي تعددت زياراتي للدوحة لحضور مناسبات مختلفة، مؤتمرات قمة خليجية، مثلما كان عليه الحال منذ أيام، فكانت القمة الـ35 لمجلس التعاون وقمم عربية وآخرها في مارس عام 2013، ومؤتمرات قمة إسلامية، واجتماعات وزراية، وندوات سياسية، وزيارات كانت ضمن وفود صحافية مصرية وعالمية، وأخرى لإجراء حوارات خاصة أو للمشاركة في تغطية مناسبات، بحجم افتتاح وبدأ أعمال مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. زرت قطر عندما كان بها فندقان خمس نجوم، وأصبحت الآن أحد أهم الدول في تنظيم المؤتمرات على مستوى العالم بما يستلزم ذلك من قدرات فندقية عالية. زرت قطر المرة قبل الأخيرة في مارس 2013، وعندما عدت إليها بعد حوالي عام ونصف استقبلني مطار الدوحة وهو تحفة معمارية، الذي يضارع كل مطارات العالم، ولا يختلف عن مطار نيويورك بقدراته الاستيعابية وإمكاناته على استقبال العشرات من الرحلات، وآلاف الركاب يومياً.
ولعل القراءة المتأنية لمجريات الأمور منذ إعلان استقلال قطر وانسحاب إنجلترا من منطقة الخليج، تشير إلى أن قطر عاشت ثلاث مراحل منذ أوائل السبعينيات وحتى الآن، وهي كالآتي:
الأولى: مرحلة «تأسيس الدولة»، والتي بدأت مع تولي الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، مقاليد الحكم في فبراير 1972.
الثانية: مرحلة «الإحياء والبناء» والتي تم إنجازها في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد .
الثالثة: مرحلة «انطلاق الدولة» وبدأت مع تولي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني المسؤولية.
وليس من قبيل التزيد، الإشارة إلى التكامل والترابط الواضح والاستمرارية بين المراحل الثلاثة التي تؤشر كل منها على أن قطر وبكل المقاييس تعتبر الدولة النموذج على كافة المستويات، في الإطار الجغرافي والإقليمي، فعلتها قطر في 25 يونيه 2013 عندما تولى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الأمور، بعد تنازل الأمير الوالد الشيخ حمد عن السلطة، وكانت الخطوة علامة فاصلة في تاريخ إدارة الحكم في المنطقة، وهي بكل المقاييس سابقة في المنطقة العربية، بل والعالم، أن يتنازل حاكم في أوج مجده وقمة نجاحه وإنجازاته وبهذه الصورة، وظني أن الأمر تعلق بحالة من الرضا من الشيخ حمد، عن ما تم إنجازه في السنوات التي تولى فيها المسؤولية على كافة الأصعدة داخلياً وخارجياً على المستوى السياسي والاقتصادي، وثقة في محلها على قدرة السلف في تولي المسؤولية، ووجد أن الظرف مناسب لإعادة ضخ دماء جديدة وشابة في بيت الحكم، خاصة بعد عدة سنوات قضاها الشيخ تميم ولياً للعهد، تولى خلالها العديد من الملفات التي أبلى فيها بلاء حسناً، فتمت عمليه انتقال السلطة بأسلوب حضاري يتسم بالرقي، والمقارنة لصالح قطر إذا نظرنا وقيمنا تلك الخطوة غير المسبوقة في الإطار الخليجي أو الإقليمي.
وقطر هي الدولة النموذج، كرقم صعب لا يمكن تجاوزه على صعيد التفاعلات العربية والدولية، خاصة بعد أن نجحت السياسة الخارجية القطرية في «تصفير المشاكل» مع كل دول العالم وآخرها الخلاف الحدودي مع البحرين من خلال الالتزام بحكم محكمة العدل الدولية حول ترسيم الحدود، كما كان لها دورها البارز والهام كوسيط شريف ونزيه يدرك الخيط الرفيع بين التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، وبين المساهمة في إنهاء الأزمات الناتجة عن اختلاف الرؤى والسياسات بين الأطراف في دولة ما، ولعل الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا السياق، أن الدوحة لا تبحث عن دور ولا تنتظر مقابلا أو مكافأة من أحد بل يتم استدعاؤها له، باعتبارها مهمومة بمحيطها العربي والإسلامي، وأنها تملك المقومات الضرورية لإنجاز المهمة، وأثمر هذا الدور كثيراً، ومن ذلك الخلاف اللبناني-اللبناني في مايو 2008، عندما استضافت قطر ورعت حوار الفرقاء بعد أن أعيتهم الخلافات وضاقت بهم السبل، ولم يجدوا سوي قطر لإنهاء الأزمة المحتدمة التي فتحت الطريق أمام توجه جديد لعودة الاستقرار في ذلك البلد الشقيق، وظني أن الأوضاع الحالية في لبنان والفراغ الرئاسي والبرلماني يستوجب دوراً قطرياً منتظراً ومتوقعاً، خاصة أن قطر ليست لها أجندة هناك، ولا تبحث عن مصالح خاصة، فقط استقرار دولة عربية مثل لبنان.
وتكرر نفس الدور، مع السعي إلى وحدة الصف الفلسطيني وإنهاء الأزمات بين حركتي فتح وحماس، خاصة أن الدوحة حرصت على الإبقاء على خطوطها مفتوحة مع الجميع. وظلت على مسافة واحدة من كل الفرقاء، وكانت النتيجة التوصل إلى اتفاق الدوحة الذي ما زال يمثل أساساً للمصالحة الفلسطينية يحتاج الالتزام به من الطرفين وتوافر الإرادة السياسية لإنجازه، ومن ذلك أيضاً أنه تم استدعاء قطر لمحاولة إيجاد أرضية للحوار بين الحكومة اليمنية والحوثيين، نتج عنها توقف المواجهات العسكرية بين الطرفين، وإنهاء الخلاف بين إريتريا والسودان.
وقطر هي الدولة النموذج في الالتزام بمسيرة الإصلاح السياسي الملتزم بمنهج خطوات ثابتة إلى الأمام تتوافق مع الظروف والأحوال السياسية، ولكن لا يمكن الرجوع عنها ومن ذلك إقرار دستور قطر الدائم بعد التصويت عليه عام 2003، مع إجراء أول انتخابات للمجلس البلدي وغرفة تجارة وصناعة قطر، وإطلاق حرية الإعلام والتعبير، بعد إلغاء وزارة الإعلام، مع الإعداد لأول انتخابات برلمانية. وهي أيضاً الدولة النموذج في الاهتمام بالإنسان القطري، وفقاً لرؤية قطر 2030 باعتباره هو أساس وهدف كل تنمية، وأن البناء الحقيقي «في البشر وليس في الحجر» مع أهمية المشروعات التنموية، ولم يتوقف الأمر على أن المواطن القطري هو الأعلى من حيث الدخل السنوي، ولكن من خلال توفير الاحتياجات الأساسية خاصة الصحة والتعليم ويكفي أن هذين المجالين يشكلان نصف الموازنة العامة للدولة بزيادة كبيرة عن الأعوام السابقة والتي وصلت إلى أكثر من 59 مليار دولار هي الأكبر في تاريخ قطر، والحرص على تشجيع التعليم وجعله إجبارياً، بالإضافة إلى المشروع المتميز والخاصة بمؤسسة قطر للتربية والعلوم والذي استقطب أفضل جامعات العالم في مجال الطب والبترول والسياسة على أرض قطر.
وبدأت مرحلة جني الثمار، ولهذا لم يكن مفاجأة أن تحصل قطر على شرف استضافة مسابقات كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 بعد منافسة شرسة من دول كبرى، مما حول قطر إلى ورشة عمل ضخمة لإنجاز مشاريع عديدة، حيث تم تخصيص 140 مليار دولار لتطوير مشاريع النقل والبنية التحتية خلال السنوات الخمس القادمة مثل إنشاء خطوط سكك حديدية.
تهنئة من القلب لقطر، أميراً، وشعباً، وحكومة، باليوم الوطني.
usama.agag@yahoo.com •