الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
10:52 ص بتوقيت الدوحة

رجولة عظيمة

د. موسى آل هجاد الزهراني
لقيته مرة جالساً في المسجد حزيناً كئيباً، فوقفت على رأسه، فنظر إلى «ياسر» نظرة ملؤها الحزن، فقلت:
-مالك؟!
فاستدار، وزَفَر زفرة مخيفة، ظننت أنها خرجت معها بنار! ثم قال:
أنا منذ سنوات أعاني من عدم التفاهم بيني وبين زوجتي، وهي كذلك!.
-هل تمزح؟!
-لا والله، لا أقول إلا الصحيح.
- أكمل!
- طلقتها البارحة!
فاندهشتُ! وقلت: هكذا بكل بساطة؟! أنسيت العشرة؟!
قال: يا أخي لا تعجل، زوجتي والله إنسانة فاضلة نبيلة، وهي..
فقاطعته: وتطلقها رغم فضلها ونبلها؟ ما هذا الكلام؟!
قال: يا موسى! أنت الذي بدأت الكلام معي، فإمّا أن تستمع إلي، ولا أريد منك حلاً، أو تُغيّر الموضوع.
قلت: آسف، أكمل!
قال: ولأنها نبيلة وفاضلة فقد جلستُ معها البارحة جلسة مصارحة، بناء على رغبتها، ودار بيننا حوار طويل، ثم قالت لي بالحرف الواحد: «أنا أحترمك جداً، لكني لا أشعر تجاهك بحبٍّ، ولا أستطيع الاستمرار معك في هذه المعاناة، وأنت رجلٌ طيبٌ، ولا أريدُ أن أظلمك أو أظلم نفسي».
فقلت لها: فما الحل؟!
قالت: أن تطلقني وأنت عني راضٍ، ونتفق على كيفية زيارتك للبنات، هذا إن سمحت لي أن أقوم برعايتهن، والأمر لك. فدمعت عيناي، وأكبرتها جداً، وقد كنت أدعو الله تعالى أن ينير لنا الطريق الصحيح.
ثم طلقتها، وخرجت من البيت باكياً، أدور في الشوارع كالمجنون، فما هانت عليّ الذكريات الجميلة، وما هانت عليّ هي، ولا بناتي لكني أمام أمرين أحلاهما مرٌّ. وبعد قرابة ساعتين، رجعت للبيت وإذا بها قد حزمت حقائبها وجلست تنتظرني، فأعطيتها مبلغاً من المال، ثم أوصلتها إلى بيت أهلها، ومعها بناتي الصغار، فودعتني وهي تبكي. والآن أشعر بفراغ كبير جداً في حياتي، ولستُ أثق في أحدٍ أشكو له حالي إلا الله.
فحزنتُ لكلامه جداً. وقلت له: أقسم بالله سيعوضك الله خيراً، فأنت رجلٌ شهمٌ، وعظيم الأخلاق.
وفي الحقيقة فقد ذرفت عيناي، فاستأذنته وقمتُ، وأنا أدعو له كثيراً. ثم فرقت الأيام بيننا.
وبعد سنوات، رأيته صدفة، يركب سيارته في أحد الشوارع، فما كدتُ أصدق عينيّ، فصحت به من بعيد: ياسر! فلما وصل إلي صافحني بحرارة، وضمّني ضمةً أحسست بأضلاعي «تطقطق» منها! وكان طويلاً جسيماً!
قلت: ماذا صنع الله بك بعدي؟!
قال: كنتُ يوماً في المسجد، وإذ برجلٍ كبير السن، وقور، ذي لحية بيضاء، يرمقني من بعيد، ثم اقترب مني فإذا هو «أبو فلان».
فسألني: يا بني، منذ فترة طويلة وأنا أراقبك، وأراك تطيل الجلوس بعد الصلاة في المسجد وحدك! هل تعاني من ديون؟!
فضحكتُ وقلت: لا يا عم! لكني أمرُّ بظروف عائلية، وإن شاء الله ستفرج.
قال: هي سرٌّ؟!
قلت: عنك أنت؟ لا. ثم أخبرته بالقصة كلها، فتأثر جداً.
ثم قال لي: فلماذا لم تتزوج حتى الآن؟!
قلت: على يدك!
فأخذ بيدي وأقامني بقوة، وقال: قم معي، فقمت معه كالمسحور! حتى أدخلني بيته، وتركني في المجلس، ودخل وغاب عني قرابة ربع ساعة كأنها أربع ساعات! ثم عاد إلي وأنا غارق في العرق!
قال لي: «شوف يا ولدي.. الآن بتدخل علينا البنت، إن أعجبتك فهي زوجتك، وإلا فالحمد لله ما صار شي!».
فغصصتُ بريقي، وتسمّرتُ مكاني! فإذا بقطعة قمر تدخل علينا من الباب، لها ابتسامة خجولة، نظرها إلى الأرض.
دخلتْ البنت تحملُ شيئاً اكتشفتُ فيما بعد أنه القهوة! وانصرفتْ.
مسحتُ جبيني والتفتُّ لأبيها وقلت مداعباً:
موافق!
فضحك وقال: «جيب لي 5 آلاف ريال مهرها، ومأذون شرعي، وحياك الله بكرة، خذ زوجتك والله يبارك لك!».
قلت: يا عمي هذا قليل، وأنا أيضاً أحتاج إلى أن أجهز نفسي، وأشتري للبنت حاجاتها و»بعدين».
قال: ما يحتاج، أنت عندك بيت، وكل شيء ستجده جاهزاً غداً عندي إن شاء الله أنت تستاهل كل خير.
قال «ياسر»: فتزوجتها والآن عندي منها ولدان، وبناتي يعيشون معنا، ولا أزال على ذكرى طيبة بزوجتي الأولى، وأدعو لها دائماً.
قلت: هل تذكر أني قلت لك: إن الله سيعوضك خيراً؛ لأنك شهمٌ؟!.
قال: أتوقع أنك ستفضحني في مقالاتك، لكن «تكفي.. لا تذكر اسمي الصريح»!.
قلت: اطمئن!.

اقرأ ايضا

شكراً سراج الدين!

25 نوفمبر 2015

الشعراء.. والعيد

06 يوليو 2016

مشاعر الشعراء

21 ديسمبر 2016

بين الرجولة والغزل

16 مارس 2016

المتنبي وفلسفة الموت

26 أكتوبر 2016

بكاؤهم!

12 أبريل 2017