


عدد المقالات 369
عندما يطول أمد الانقلاب يحدث واقع سياسي جديد، فيتراجع حدث الانقلاب حتى يكاد يتلاشى، لتبرز مشاهد جديدة وتفرض نفسها، ويصبح الحديث عن شرعية آخر برلمان منتخب ضرباً من العبث السياسي، خاصة بعد أن يتجاوز الانقلابيون أنفسهم مرحلة ما أسموها الشرعية الثورية، وينتقلوا إلى شرعية دستورية يحتكم إليها أحياناً حتى المعارضين كأبلغ دليل على نسيانهم جريرة الانقلاب وتعاملهم مع الواقع الجديد، كما حدث حين أفتى معارضون بعدم جواز ترشح «الرئيس» البشير لدورة جديدة بحكم «الدستور». مرّت سنوات على نظام الإنقاذ، تغير خلالها المشهد كثيراً، حتى رأينا في أحد احتفالات الاستقلال السيدين أحمد الميرغني والصادق المهدي في الصف الأمامي للاحتفال، بينما تلاحق أجهزة النظام حسن الترابي المدبّر الأول للانقلاب، ووقّع نظام الإنقاذ اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية، فكان من ضمن نتائج هذا التحول برلمان ضمّ المعارضين الكبار سليمان حامد وعلي السيد وفاطمة أحمد إبراهيم وياسر عرمان وفاروق أبوعيسى وعلي محمود حسنين، الذين لم يرفضوا المشاركة في ذلك البرلمان بدعوى رفضهم لأية اتفاقية يبرمها النظام غير الشرعي، ولن يشاركوا في أيٍّ من مؤسساته، أي أن الواقعية فرضت عليهم تجاوز حالة الانقلاب بعد أن عمّر ست عشرة سنة، لكن الأستاذ علي محمود حسنين نكص عن هذه الواقعية، ففتح ضد الانقلابيين بلاغاً بعد أن بلغ الانقلاب الثلاثين، وهي دعوى لم تمُت برحيل الأستاذ حسنين. إن محاكمة أركان النظام السابق بتهمة تدبير انقلاب يونيو لم تعُد واقعية، ويمكن أن نعدّد -غير برلمان 2005- وقائع كثيرة تعامل فيها المعارضون مع النظام كأمر واقع لا يمكن تجاهله والتغاضي عنه، فقد وقّع النظام اتفاقات مع معارضين في جيبوتي وجنيف والقاهرة ومشاكوس ونيفاشا والدوحة، وفاوض المعارضين وفاوضوه، وانقسم النظام نفسه لتنشأ إثر ذلك تحالفات بين معارضين وإنقاذيين سابقين وبين إنقاذيين ومعارضين سابقين، لذا يجب أن تتجاوز المحاكمة الانقلاب لتركّز على تجاوزات خلال حكم الإنقاذ، وبالأخصّ قضايا الفساد الذي أهدر أموالاً طائلة، ولن تكون هذه القضايا موضع خلاف أو جدال، خاصة وأن نظام الإنقاذ نفسه قد لاحق في أخريات أيامه فاسدين منتمين له. ويحق لمحاكم الثورة إعادة النظر في تسويات تمّت وحامت حولها شبهات، هذا يعني الفصل بين المحاكمة السياسية غير الجائزة، والمحاكمة القانونية التي تميّز بين المذنب والبريء في قضايا غير سياسية، فيسقط بذلك أي احتمال لمحاكمة سياسية على انقلاب مضت عليه ثلاثة عقود، ولا تسقط تهم عن فاسدين اعتدوا على المال العام، فهذه ليست اتهامات سياسية، ولا تطال كل رموز الإنقاذ لمجرد انتمائهم السياسي للنظام السابق. تقودنا التهمة السياسية إلى الحديث عن المناداة بحلّ حزب المؤتمر الوطني، هذه دعوة لمحاكمة سياسية، تتعارض مع مبدأ الحرية الذي يأتي على رأس شعارات الثورة، لأن الوجه السياسي لفكرة الحرية هو الديمقراطية التي تتيح حق التنظيم في نظام تعددي، لكن يبدو أن المنادين بحلّ المؤتمر الوطني لا يرون انطباق هذا المبدأ عليه، بدعوى إساءته توظيف السلطة عندما كان حاكماً، لكن هذا المنطق يجرّ الثوار إلى مخالفة خطيرة حين يفرضون أنفسهم أوصياء على الشعب، فقد يرى الشعب من خلال صناديق الاقتراع منح المؤتمر الوطني دائرة جغرافية واحدة فقط في السودان كله، هي حقه بالمعيار الديمقراطي الدقيق وفق الإرادة الشعبية، فلماذا الوصاية على الشعب؟ ولماذا الخوف من احتمالات فوز المؤتمر الوطني ببعض الدوائر؟ إذا كان هذا هو قرار الناخب الحر. عندما كانت الثورة في رحم الغيب، كانت بعض أحزاب الثورة قد قررت منازلة المؤتمر الوطني في انتخابات 2020، عندما كان الحزب يستقوي بالسلطة، مما يعني أن هذه الأحزاب في وضع تنافسي أفضل، وقد جُرّد المؤتمر الوطني من السلطة ومن أدواته وإمكاناته في تزوير السجل الانتخابي وتزوير فرز الأصوات، لكن بعض القوى الثورية تهمس بأن المؤتمر الوطني أكثر الأحزاب جاهزية وقد يفوز بالانتخابات، وبما أن الجاهزية المقصودة هي الإمكانات المادية، فإن هذا الادعاء عار على صاحبه، لأنه يشكّك في حقيقة الثورة. نازلوه وهو مجرد من إمكانات السلطة، فهو مهزوم لا محالة، بدلاً من منحه فرصة الادعاء بأنه خيار الشعب، لولا أن الثوار حالوا بينه وبين صناديق الاقتراع.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...