alsharq

د. مصطفى كوكصو - سفير الجمهورية التركية لدى دولة قطر

عدد المقالات 5

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 21 يوليو 2026
بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 23 يوليو 2026
من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

عشر سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة.. تركيا من تحصين الداخل إلى صياغة التوازنات الإقليمية

17 يوليو 2026 , 12:36ص

قبل كل شيء أترحم على صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي قضى إلى جوار ربه في الأيام القليلة الماضية، سائلين المولى عز وجل أن يسكنه فسيح جناته وأن يجعل مثواه الجنة.
تحيي الجمهورية التركية في هذه الأيام الذكرى العاشرة لإحباط المحاولة الانقلابية الغادرة التي أقدمت عليها منظمة «FETO» الإرهابية في ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو 2016. إن ما شهدته تلك الليلة لم يكن تحركاً عسكرياً تقليدياً، بل مؤامرة عميقة استهدفت كيان الدولة وأمنها، دبرتها ونفذتها شبكة تسترت بعباءة الدين والتعليم لتمرير أجندات استخباراتية مشبوهة، بتوجيه من زعيمها فتح الله غولن، الذي توفي في 20 أكتوبر 2024 بالولايات المتحدة حيث أقام هناك لعقدين من الزمن.
هدفت هذه الخطوة المشؤومة إلى إرجاع تركيا لدوامة الانقلابات والفوضى، وضرب ثقلها الإقليمي والدولي. غير أن الصمود البطولي للشعب التركي في تلك الليلة الخالدة أسقط هذه المؤامرة، مبرهناً للعالم أن إرادة الشعوب الحرة تتفوق على لعلعة الدبابات والمكائد المظلمة.
فقد تدفق المواطنون الأتراك نحو الشوارع والساحات بصدورهم العارية، متصدين لآليات المتمردين، ذوداً عن خيارهم الديمقراطي. وبمساندة حاسمة من تشكيلات الشرطة والضباط الوطنيين في الجيش، وتحت مظلة قيادة سياسية شجاعة وحازمة، أُحبط الانقلاب في مهده خلال ساعاته الأولى، لتبقى مؤسسات الدولة صامدة في وجه الانهيار.
لم يقتصر هدف الانقلابيين على الإطاحة بفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان والحكومة المنتخبة، بل امتد ليستهدف صميم النموذج الديمقراطي وكيان الدولة التركية برمتها.
لقد أثبتت الدولة التركية مراراً صلابة مؤسساتها؛ فبادرت إلى إطلاق حزمة إصلاحات جذرية طالت قطاعات الأمن والدفاع والقضاء والتعليم، بغية حماية الدولة من أي اختراقات، والتأكد من ولاء هذه المؤسسات للدستور وللأمة. وجرى تفكيك الشبكة التنظيمية التي زرعتها منظمة «فيتو» في أروقة الدولة الرسمية، مع إقرار قوانين جديدة تعزز الشفافية والمحاسبة، وترتقي بمعايير التوظيف الحكومي لضمان عدم تكرار تلك المأساة المؤلمة.
أما على الصعيد الداخلي وفي قطاع التعليم، فقد تمت إعادة هيكلة المنظومة عبر إلحاق المؤسسات التي كانت تخضع لسيطرة منظمة «فيتو» بوزارة التربية الوطنية، وهو ما قوى السيادة التعليمية وأعاد للدولة إدارتها الكاملة لمرافقها التربوية.
وخارجياً ظهر «وقف المعارف التركي» كقوة دولية فاعلة في الحقل التعليمي، حيث استلم إدارة المدارس التي وظفتها «فيتو» سابقاً في دول عديدة، وأسست في الوقت نفسه شبكة تعليمية شفافة وعالية الجودة تخدم اليوم أكثر من 75 ألف طالب في أكثر من 600 مؤسسة في 66 حول العالم.
واليوم، وبعد انقضاء عشر سنوات كاملة على تلك الليلة القاسية، يمكننا الجزم بأن تركيا قد ولجت حقبة جديدة من الاستقرار السياسي والنمو التنموي، متكئة على إرادة شعبها التي دحرت الانقلاب وأرست دعائم الاستقرار.
لم يقتصر هذا التحول على الجانب السياسي، بل امتد ليلامس أداء الاقتصاد الذي استمر في مسار التعافي والنمو على الرغم من التحديات الجسام التي عصفت بالسنوات الماضية، كمحاولة الانقلاب ذاتها، ووباء كورونا، وكارثة زلزال فبراير 2023. فقد واصلت تركيا تعزيز قدرتها الإنتاجية والتنافسية في الأسواق العالمية، محققة مستوى قياسيا في الصادرات تجاوز 273 مليار دولار خلال عام 2025، مدفوعة بتنويع الأسواق التصديرية وتوسيع القاعدة الصناعية، وزيادة الإنتاج المحلي.
وبالتوازي مع ذلك، واصلت تركيا تعزيز حضورها كإحدى أبرز الوجهات السياحية العالمية، حيث استقبلت ما يقارب 64 مليون زائر خلال عام 2025، محققة عائدات سياحية تجاوزت 65 مليار دولار، في مؤشر يعكس قوة القطاع السياحي وقدرته على جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ولا تزال تركيا وجهة مفضلة لملايين القادمين من مختلف الدول، وفي مقدمتهم الزوار من العالم العربي، بفضل ما يجمع الشعوب من روابط تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة، إضافة إلى التنوع الحضاري والطبيعي الذي تتميز به البلاد. وتستمر الدولة في تطوير علاقاتها مع الشعوب العربية ضمن نهج يقوم على التعاون والتفاهم والاحترام المتبادل، مستندة إلى إرث مشترك ومصالح متبادلة.
وستبقى تركيا بلداً مضيافاً للسياح العرب، وبيئة مفتوحة للتواصل والتبادل، ضمن مسار تنموي يسعى إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية وتوسيع شراكاتها الإقليمية والدولية.
إلى جانب ذلك، تواصل تركيا مساعيها لترسيخ استقلاليتها في قطاع الطاقة، متوجة ببدء تشغيل الغاز الطبيعي المكتشف في مياه البحر الأسود، واستمرار أعمال التنقيب في البحر المتوسط، مما يشرع أبواباً مبشرة لتأمين احتياجاتها الوطنية من الطاقة.
وفي مجال الصناعات الدفاعية، قفزت تركيا قفزات نوعية وضعتها في مصاف الدول الرائدة عالمياً. فقد برزت في السنوات الماضية أيقونات دفاعية متطورة كالطائرات المسيرة «بيرقدار(Bayraktar)»، والمقاتلة الوطنية «قآن» (KAAN)، والمسيرة النفاثة «كيزل ألما»، وتدشين أول حاملة طائرات تركية الصنع «تي سي جي أناضولو» (TCG Anadolu). وبفضل هذا التقدم في التقنيات العالية وأنظمة الأمن السيبراني، باتت المنتجات الدفاعية التركية تُصدّر إلى 180 دولة حول العالم.
وفي قمة الناتو الأخيرة في أنقرة حققت تركيا نجاحاً رسخ مكانتها كقوة عالمية لا غنى عنها، نجح خلالها الرئيس أردوغان في قيادة الحلف نحو صياغة توازنات أمنية جديدة وإقرار مبدأ «الندّية الكاملة» بين الحلفاء، كما انتزعت تركيا مكاسب استراتيجية بارزة شملت حشد التأييد لصناعاتها الدفاعية المحلية والمطالبة برفع كافة القيود عن تسليحها.
وفي ظل تطور طبيعة الحروب الحديثة، ازداد الاعتماد على الطائرات المسيّرة بشكل لافت، وهو ما ساهم في تعزيز مكانة تركيا في هذا المجال وتوسيع صادراتها الدفاعية القائمة على هذه التكنولوجيا.
كما تشهد العلاقات التركية-القطرية تعاوناً متنامياً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات، بما في ذلك مشاريع تتعلق بالأقمار الصناعية مثل «سهيل-2»، ضمن إطار شراكات تهدف إلى دعم القدرات التقنية وتطوير أنظمة الاتصالات وتعزيز التعاون في المجالات الاستراتيجية.
على الصعيد الدبلوماسي، وسعت تركيا من تواجدها الخارجي لتصل شبكة بعثاتها إلى 264 بعثة، محتلة المرتبة الثالثة عالمياً في حجم التمثيل الدبلوماسي. وتستمر أنقرة في تبني سياسة تعتمد على لغة الحوار والندية وعدم التدخل في شؤون الغير، مع إيلاء أهمية فائقة للمنطقة العربية والخليج العربي تحديداً، بناءً على منظور استراتيجي يرى في أمن الخليج امتداداً لأمن تركيا القومي.
وتعتبر تركيا في طليعة الدول المطالبة بتصحيح مسار النظام العالمي الحالي، رافضة هيمنة الدول الكبرى على مقدرات الأمم، وهو ما يتجسد في المقولة المأثورة لفخامة الرئيس أردوغان: «العالم أكبر من خمسة».
يقودنا ذلك إلى تحليل المشهد الإقليمي المعقد؛ فالمنطقة تشهد عملية إعادة هيكلة قاسية، تتزامن مع فشل دولي واضح في كبح الانتهاكات وصيانة حقوق الشعوب، وهو ما يتجلى بمرارة في مأساة غزة والتوترات الإقليمية المتزايدة. 
لقد اتسمت السياسة الخارجية لتركيا في هذا العقد بتبني مبدأ «التوازن النشط»، الذي يزاوج بين الالتزام الأخلاقي بالمواقف -كدعم قضية فلسطين ورفض ازدواجية المعايير الغربية- وبين الواقعية المنفتحة التي تحافظ على خطوط التواصل الدبلوماسي مع الأطراف المؤثرة، كالاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وروسيا.
 وفي هذا الإطار، برزت مؤشرات على تعزيز قنوات التشاور والتنسيق الإقليمي بين عدد من الدول المؤثرة في المنطقة، بما في ذلك تركيا والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وجمهورية باكستان الإسلامية، ضمن إطار غير رسمي للتشاور الاستراتيجي يعرف «STEP».
في السنوات الأخيرة واصلت تركيا تعزيز دورها الدبلوماسي بوصفها طرفا فاعلا في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مع التركيز على الوساطة والمبادرات الإنسانية. ففي الحرب الروسية-الأوكرانية، استمرت في جهودها المرتبطة بتبادل الأسرى ودعم مسارات التهدئة. وفي الملف الفلسطيني، كثّفت أنقرة تحركاتها الدبلوماسية في المحافل الدولية دعماً لوقف إطلاق النار، مع دعم المسارات القانونية والإنسانية المرتبطة بالقضية.
في الوقت ذاته، تواصل تركيا مساندة الجهود الرامية للاستقرار في دول شقيقة وصديقة مثل سوريا، وليبيا، والسودان، والصومال، وأفغانستان، عبر مبادرات للتعاون السياسي والإنساني والتنموي، مما يترجم التزامها بمسؤولياتها الإقليمية وعمق روابطها التاريخية.
وفي هذا الإطار، يسطع بقوة التعاون الوثيق مع دولة قطر، والذي ظهر جلياً في التحرك السياسي والإغاثي المشترك، حيث مارست قطر دور الوسيط الرئيسي في محادثات التهدئة، بينما ساندت تركيا المسار التفاوضي. وقد قدم هذا التنسيق الثنائي نموذجاً متقدماً في الاستجابة الإنسانية والدبلوماسية.
لطالما اتسمت العلاقات التركية-القطرية بتكامل المواقف وتبادل المساندة في أوقات الأزمات. وفي الآونة الأخيرة، عبرت تركيا عن إدانتها القاطعة لأي اعتداء يمس سيادة دولة قطر الشقيقة، وهو ما أكده فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان بأن تركيا ستقف دائماً إلى جانب أشقائها القطريين.
وفي الختام، ومع إحياء ذكرى هذه الليلة التاريخية، نستذكر بكل اعتزاز وفخر تضحيات شهداء الوطن، الذين واجهوا رصاص الغدر بصدورهم، ذوداً عن كرامة الدولة وديمقراطيتها.
ولا يسعنا هنا إلا أن نستذكر وقفة دولة قطر الشقيقة، في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي كان أول المبادرين من قادة العالم للتواصل مع فخامة الرئيس أردوغان لرفض الانقلاب وإعلان دعم الشرعية، في موقف يجسد أصدق معاني العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقين.
وفي ختام هذا المقال، استحضر بكل فخر تلك الفترة الغنيّة التي قضيتُها سفيرًا للجمهورية التركية في الدوحة؛ تجربةً مفعمةً بالعمل الدؤوب، وثمرة حقيقية لروابط الأخوة التي تجمع شعبينا ودولتينا. وأؤكد مجددًا أن مسيرة التعاون والتضامن بين تركيا وقطر لن تتوقف، بل ستمضي في النمو والازدهار، وأن الدعم المتبادل الذي نقدمه أحدنا للآخر في المحافل الدولية هو حجر الزاوية في بناء مستقبل مشترك أكثر إشراقًا.

تثبيت المسار الديمقراطي في الجمهورية التركية.. مرور تسع سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة

تُحيي الجمهورية التركية في الخامس عشر من يوليو الذكرى السنوية لما يُعرف بيوم الديمقراطية والوحدة الوطنية، في إشارة إلى محاولة الانقلاب الفاشل التي وقعت عام 2016، والتي شكّلت لحظة فارقة في تاريخ الحياة السياسية والمؤسساتية...

تفاصيل ليلة لن تنساها الأمة التركية

حين تعيد الأمة التركية شريط ذكرياتها، ستظل ليلة 15 يوليو 2016 بارزة في تاريخها المعاصر. فتلك الليلة كانت استثنائية وغير متكررة، إذ رسمت مسار مستقبل تركيا وشعبها. فقبل ثماني سنوات، قامت منظمة فيتو الإرهابية (FETÖ)،...

المشتركات بين تركيا وقطر

تابعت باهتمام خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر الذي ألقاه في الجلسة الافتتاحية للدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والتي تضمنت قيماً مشتركة بين بلدينا وقضايا...

عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء

قبل قرن من الزمان وفي مثل هذه الأيام، كان الشعب التركي على موعد مع القدر لاسترداد حقه وأرضه، وحققت الأمة التركية انتصارا كبيرا بقيادة المؤسس مصطفى كمال أتاتورك، على الحلفاء والقوات اليونانية الغازية في 30...