


عدد المقالات 369
عندما كانت الكتل الجماهيرية الضخمة تعبر كوبري النيل الأزرق من «بحري» صوب القيادة العامة، أحسّ كل مراقب حصيف أن ثمة تراخياً قد اعترى أداء النظاميين تجاه الثوار، ينبئ بتغيير آتٍ ما دام النظاميون قد رجّحوا الكفة لصالح الثوار، لكن ما صدر عن الثوار بعد دور القوات النظامية الحاسم، كشف أن جلهم لم يكن مهيأ لدفع ثمن شراكة العسكريين للمدنيين في الثورة، ولا يستبعد أن يكون بعضهم قد اعتبر أن أقصى ما يمكن تقديمه لـ «العسكر» بعد أداء «واجب» الانحياز للثورة هو عبارة «سعيكم مشكور» لينصرفوا، في الطرف الآخر كان رئيس حزب الأمة الصادق المهدي، يؤكد بين حين وآخر على دور العسكريين الحاسم في الثورة، لتقابل آراؤه من الثوار بالتسفيه، بل وبإنكار أي دور له في الثورة -إن لم يتهموه بأنه جزء من النظام السابق- فاكتمل بذلك ومنذ ذلك الوقت المبكر، تأسيس الخلاف بين قوى الحرية والتغيير. كانت الكتلة الجماهيرية الأعظم بين الثوار غير منظّمة ولا مسيّسة، انفجرت تلقائياً بعد أن بلغ بها الضيق مبلغاً لا يكافئه إلا الانفجار، هذه الجماهير الثائرة لا ينتظر منها تصور للعلاقة مع العسكريين ولا تخطيط لفترة الانتقال، فهذه مسؤولية النخب التي تصدت -طائعة مختارة- لمهمة الإدارة السياسية، لكن لوحظ أن النخب ظلت تترقب وتتلمس رغبات الثوار. يصف القيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير بابكر فيصل، بدقة ما آلت إليه العلاقة بين الثوار والسياسيين، وذلك في تصريح صحفي: إن حركة الشارع سابقة للفعل السياسي، بيد أن «قوى التغيير» أخذت زمام المبادرة، وأضاف: في الثورة هنالك اتجاهان، العمل السياسي والفعل الثوري، والثوريون في الشارع لا «يفهمون» العمل السياسي كما يفهمه السياسيون، وتابع: مهمة «قوى الحرية والتغيير» أن تقرّب الشقة بين السياسي والثوري، لذلك يظهر الشارع في تناقض واختلاف مع السياسي، وهي ثنائية تحدث في كثير من الثورات. ما يكمل تصريح القيادي بابكرفيصل، هوأن قوى الحرية والتغيير لم تنجح في مهمتها بتقريب الشقة بين السياسي والثوري، ذلك لأن الثوار»الذين لا يفهمون العمل السياسي» قد خرجوا عن الطوق، ولم يعودوا يحملون اعترافاً بتفوق لهؤلاء الساسة عليهم. شخّص هذا القيادي الحالة وحدّد المهمة التي يفترض أن تضطلع بها قوى الحرية والتغيير، ويبدو أن القيادي البارز في قوى الحرية والتغيير إبراهيم الشيخ، قد أيقن بعجز الحرية والتغيير عن إتمام هذه المهمة، فقرر مجاراة الثوار، إذ قال في حوار أجرته معه صحيفة «الانتباهة»: تشاء الأقدار أن تنتهي مواكب الثوار بشارع القيادة العامة تطلعاً لانحياز الجيش، لكن من الواضح جداً أن الجيش لم تكن فيه طليعة ثورية تتفاعل حتى مع الشارع، وبالتالي فمن المؤسف جداً أن حدث في النهاية انقلاب له حسابات مختلفة، يظن منفذوه أن البشير أصبح ضاراً بمصالحهم جميعاً، فاختاروا الانقلاب على البشير، والمحافظة على لحمة النظام كله، وتابع الشيخ: واضح جداً أن المجلس العسكري الذي استولى على السلطة بموجب انقلاب، لم يستطع إزالة العديد من آثار النظام السابق، ولم يستطع حتى اعتقال رموز النظام السابق. إذا مثل الصادق المهدي الطرف السياسي المنظم الذي أقر بوضوح لا لبس فيه بحق العسكريين في شراكة تناسب دورهم الحاسم في الثورة، فقد مثل الحزب الشيوعي الطرف المنظم الرافض لدور مؤثر للعسكريين في فترة الانتقال، باعتبارهم خصماً على الثورة، وعرف الحزب كيف يوظّف حالة الاندفاع الثوري في ساحة الثوار المنتشين بالنصر المفتخرين بدورهم فيه، فسهل عليه في تلك الأجواء أن يدس الشعارات والهتافات الرافضة للعسكر، بل ونجح في خلق تيار عام رافض لكل ما يأتي من المجلس العسكري، فكان أن قابل الثوار بالرفض مقترح المجلس بأن تشكل قوى الحرية والتغيير كل الحكومة وتنال 67% من المجلس التشريعي، رغم قبول التنظيمات -المعتدلة- مقترح المجلس، فكان ذلك هو المعلم الذي اتسع فيه الشرخ بين العسكريين والمدنيين، ثم تطورت الأحداث إلى أن وصف القيادي في الحرية التغيير مدني عباس قادة المجلس العسكري بأنهم حفنة ضباط انتهازيون، رمى بهم خوف المخلوع البشير من كل ذي كفاءة ورأي، ليصبحوا على رأس قيادة الجيش.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...