شيوعيو وإسلاميو السودان.. السلامة بعيداً عن السلطة
12 مايو 2012 , 12:00ص
يمثل الحزب الشيوعي السوداني أقصى يسار الحركة السياسية في السودان بينما تمثل الحركة الإسلامية السودانية اليمين. وقد أمكن لهذين التنظيمين العقائديين الوصول إلى السلطة في السودان، وهو أمر نادر الحدوث للشيوعيين في غير دول شرق أوروبا في أيام حلف وارسو الذي كان. كما يندر حدوثه للإسلاميين.
وصل الشيوعيون إلى السلطة في السودان عام 1969 فسبقوا نجيب الهك وكارمال في أفغانستان ونجحوا فيما فشل فيه الحزب الشيوعي الإندونيسي. أما الإسلاميون فلم يسبقهم ولم يعقبهم أحد بانقلاب.. وإن كان نجم الدين أربكان قد وصل للسلطة في تركيا عبر صناديق الاقتراع وحيل بين عباس مدني والسلطة في الجزائر فلم يقطف ثمرة نصره الانتخابي. وأحرج حينها الإسلاميون الانقلابيون في السودان فلم يستطيعوا إدانة الفعل الانقلابي في الجزائر.
الانقلابان الشيوعي والإسلامي أطاحا بتعددية سياسية في السودان أي أن كلاً من الحزبين قد انفردا بالسلطة فور نجاح الانقلاب. ثم تشارك الحزبان في مصير واحد. هو الانشقاق والمواجهة بين الجناحين اللذين كانا جسما تنظيمياً واحداً. فقد انقسم الحزب الشيوعي مبكراً إثر خلافات بين قياداته. وتعرض سكرتير الحزب الشيوعي عبدالخالق محجوب للنفي والاعتقال. واستمر الصراع «داخل» النظام حتى بلغ ذروته بالانقلاب الشيوعي الثاني في يوليو 1971 الذي لم يصمد سوى ثلاثة أيام. عاد بعدها الرئيس نميري للسلطة ليعدم السكرتير العام للحزب وقادة آخرون ويلاحق الحزب بعنف أشبه بما حدث للحزب الشيوعي الإندونيسي بعد انقلابه الفاشل على الرئيس سوكارنو. وما أعقب ذلك من حملة تنكيل قادها الجنرال سوهارتو.
الحركة الإسلامية شهدت هي الأخرى الانقسام والصراع «الداخلي» وإن لم يبلغ درجة المواجهة الدموية التي تعرض لها الحزب الشيوعي. ولكن يكفي أن نشير للتأكيد على عمق الخلاف إلا أن الجناح الخاسر في صراع السلطة هو جناح قائد الحركة التاريخي حسن الترابي الذي أصبح زائراً منتظماً لمعتقلات نظام هو عرابه وأبوه الروحي.
العبرة المستوحاة من تجربتي الشيوعيين والإسلاميين في السودان هي أن إقصاء الآخر يخلق «آخر» جديداً داخل التنظيم الواحد. فلا ينتهي الإقصاء بإبعاد الرجعيين عن السلطة كما توهم الشيوعيون ولا بإقصاء الطائفيين والعلمانيين كما توهم الإسلاميون. ويكون الوقع أخطر وأوجع على الجناح الخاسر في الصراع الداخلي. وهكذا ضعفت حجة الترابي وهو ينعى على «إخوان» الأمس تعاملهم غير الديمقراطي مع خصومهم. وهكذا لم يجد عبدالخالق محجوب حجة حين اقتاده خصومه «رفاق» الأمس إلى المشنقة بعد أن ارتضى الطرفان –مبدئياً- السباق نحو الدبابة وسيلة وحيدة للوصول إلى السلطة.
كان الحزب الشيوعي قبل الوصول للسلطة في السودان من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث. وقد أزعج نشاطه الجم في أوساط العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين الأحزاب التقليدية حتى تآمرت عليه وحلته. ويبرر البعض إقدام الحزب على انقلاب مايو بهذه الواقعة التي لا يختلف اثنان على عدم ديمقراطيتها. لكن النظرة البعيدة التي يفترض أن يتصف بها القادة المفكرون تكشف أن النظام الديمقراطي في كله المتكامل يجعل مثل هذه القرارات شكلية لا تعيق نشاط الحزب. ولعل الدليل الأكبر على ذلك هو أن السكرتير العام للحزب الشيوعي كان عضواً في البرلمان السوداني حتى آخر يوم من عمر النظام الديمقراطي بعد أن ترشح عبدالخالق محجوب من دون أن يعلن عن لونه السياسي فتجاوز ببساطة إشكالية حل حزبه. وبالمقارنة فقد كان الانقلاب البديل مغامرة غير محسوبة العواقب ذهبت بكل رموز التعددية الحزبية بين سجين وقتيل بما فيهم قادة الحزب الشيوعي.
أما الجبهة القومية الإسلامية فقد كانت ممثلة بواحد وخمسين نائباً في البرلمان لما نفذت انقلاب يونيو 1989. وكانت الحزب الأقوى تنظيماً.. عرفت كيف تدير آلة إعلامية مؤثرة أزعجت الأحزاب الحاكمة وعرفت كيف تنشئ مؤسسات اقتصادية أعانت الحزب في تمويل نشاطه الكبير. واستفادت من علاقات خارجية مع تنظيمات إسلامية من دون أن تفقد الحركة الإسلامية السودانية استقلاليتها. ومع ذلك كررت مغامرة الحزب الشيوعي بإقدامها على انقلاب قاد إلى انقسامها وإضعافها.. فما الدافع المشترك بين الحزبين الذي أفضى بهما إلى اللجوء للانقلاب العسكري؟
تتأثر كل الأحزاب السودانية بالصفات الشخصية للرجل الأول فيها حيث ما زالت الطريقة الأبوية هي السائدة في إدارة الأحزاب. ويتصف عبدالخالق محجوب وحسن الترابي بصفات مشتركة. إذ يتشابه السكرتير العام للحزب الشيوعي وزعيم الجبهة الإسلامية في الاعتداد بالنفس والطموح الزائد لتحقيق مجد سياسي شخصي. صعد الأول إلى الموقع الأول في الحزب الشيوعي ولما يبلغ الرابعة والعشرين. وعمد على الفور إلى خلق مجموعة موالية. وفصل معارضيه وعلى رأسهم عوض عبدالرازق، «دوبشيك» الشيوعيين السودانيين، الذي وصم حينها بالميول الليبرالية حين نادى بتكوين جبهة تقدمية عريضة أساسها الأحزاب الاتحادية وعدم التعجل بتكوين حزب شيوعي. رفض عبدالخالق أن تمتد الحركة السودانية للتحرر الوطني لتشمل أحزابا أخرى ورأى أن يستقل بـ»حزبه». ثم أقدم لاحقاً على خطوة تشير إلى «اعتداد» عبدالخالق وتهيؤه إلى زعامة كبيرة. وذلك حين أقدم على منازلة إسماعيل الأزهري رئيس أول حكومة وطنية، في الانتخابات التي جرت بعد ثورة أكتوبر64. في خطوة لا تخلو من الاستعراض وتكشف تعجل الشيوعي الأول على الظهور في صف الكبار. ولعل هذا يفسر تطلعه لقيادة السودان ولو عبر انقلاب عسكري.
أما حسن الترابي فقد ظهر في الساحة السياسية بعد ثورة أكتوبر وقد ربط اسمه بها. بهذا الألق لم يجد الأستاذ الجامعي حامل درجة الدكتوراه في القانون الدستوري مشقة في إقصاء منافسيه في التنظيم ولكن انقلاب مايو قطع مسيرته في إبراز مواهبه. فلم يعاود نشاطه إلا بعد مصالحة مع النظام عام 77. بعدها أظهر مواهب فذة في بناء التنظيم وطرح أفكار جديدة شملت حتى العقيدة جرت عليه مشاكل لم يأبه لها وهو يطلق تصريحاته الساخرة ممن تجاوزهم العصر. ولا يسلم من لسانه حتى بعض إخوانه في التنظيم إذا «تطاولوا» على هذا العالم المعتد كثيراً بنفسه.
لم يكن حسن الترابي وما زال لا يحمل رأياً حسناً في قيادات الأحزاب التقليدية. ولذلك أضمر لهم الحقد حين تألب عليه المهدي والميرغني في الانتخابات التي أعقبت سقوط نميري واحتقر تحالفهم مع اليسار ضده. ولما أبعدوا فيما بعد حزبه من حكومة عريضة اكتملت القناعة عند الدكتور الفاهم بضرورة إزاحة هؤلاء «الجهلة».
قد يبدو هذا التفسير متعجلاً. ولكن يدعمه أن مفكراً في قامة الدكتور الترابي لا يمكن أن يجهل حتمية النهج الأحادي للنظام العسكري وما يتبع ذلك من تدابير أمنية تحد من الحريات وتمس حقوقاً أساسية للناس. وإذا أقدم على الانقلاب وهو موقن بهذه النتيجة. فكيف نفسر إصراره عليه إن لم تكن دوافعه شخصية يعززها الاعتداد بالنفس والتعالي على الخصوم؟