معايير السلوك الطائفي (2-3)
12 مارس 2013 , 12:00ص
تعد ظاهرة التنوع الديني والمذهبي من أقدم الظواهر التي تميز السلوك البشري، وأشدها تجذرا ورسوخا في حياته وعلاقاته المختلفة، بحيث أسهمت هذه الظاهرة بصياغة التاريخ نفسه وصياغة الجغرافيا أيضا، وإذا كانت هناك بعض الدعوات اليوم للتحذير من هذا التنوع أو هذا الخلاف باعتباره طائفية فإن هذه الدعوات ستنتهي قبل أن تتقدم خطوة واحدة.
ولأن الخلاف الديني ليس خلافا عرقيا ولا قطريا أو قبليا بل هو خلاف معرفي يدور بالأصل حول نقطة ارتكاز واحدة وهي معرفة الحقيقة الكبرى التي انبثق منها هذا الوجود وما يتبع هذه المعرفة من تصورات وسلوكيات، فإن هذا الخلاف لا يحمل صفة الاستقرار والثبوت، بل إن المجتمعات البشرية ستتحرك وستتغير في انتماءاتها الدينية أو المذهبية ولأسباب وعوامل كثيرة ومختلفة، وكثيرا ما يقترن هذا التغير بقدر كبير من العنف واستخدام القوة، ليس بسبب التنوع الديني نفسه بل بطريقة التعامل مع الآخر وفقدان العقد الاجتماعي الذي يضمن القدر المقبول من التعايش الآمن والعادل.
لقد جاء الإسلام بمنهج متوازن في التعامل مع هذه الظاهرة، فقد أعطاها بُعدها المعرفي الكامل، وتعامل معها على هذا الأساس، فشجع كل أساليب التواصل المعرفي، ثم أحاط هذه الأساليب بسياج من الأخلاق التواصلية التي تمنح الأطراف المختلفة قدرا من الطمأنينة وربما الحصانة لتيسير الوصول إلى الرؤية الصحيحة، ولذلك يقول القرآن الكريم: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} النحل125 ويقول: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} العنكبوت 46، وحرّم بشكل قاطع استخدام العنف كوسيلة لتغيير القناعات الدينية فقال: {لا إكراه في الدين} البقرة 256.
ولأن الخلاف الديني سيبقى قائما مهما كانت درجة الوعي أو الجدل أو النشاط الذهني والعلمي فإن الإسلام وضع الأسس الأولى لضمان التعايش الآمن، وكانت وثيقة المدينة الدستور الأول الذي وضعه الإسلام لتحقيق هذه الغاية فأعطى للمسلمين حقوقهم وأعطى لليهود حقوقهم في ظل دولة الإسلام الواحدة، لكنه سمى الأشياء بأسمائها، فسمى المسلمين مسلمين وقال: «إنهم أمة» وسمى اليهود يهودا وقال: «إنهم أمة»، وبهذا يكون الإسلام وازن بين قيمة «المعرفة» والتي لا تقبل التمييع أو التضليل والتي هي أساس الدين والمعتقد وبين قيمة «العدل» والتي هي أساس النظام والدولة.
حينما يتكلم الإسلام عن العلم والمعرفة فإنه يتكلم بالحق الذي لا لبس فيه فيقول مثلا: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} المائدة 73 و {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} المائدة 72 لكنه حينما يتكلم عن النظام والقانون فإنه يقول: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} النساء 123 ويقول -عليه الصلاة والسلام-: (من ظلم معاهدا وانتقصه وكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه) السنن الصغرى ج3 ص 141.
إن العمل للإسلام والدعوة إليه وبيان عقائده وأحكامه من أوجب الواجبات، وهي مهمة الأنبياء والعلماء بل الأمة كلها إلى يوم الدين، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} يوسف 108، وأما مهمة تحقيق العدل بين الفئات المختلفة فهي مهمة الدولة.
إنه من المؤسف أن يضطرب هذا الميزان اليوم، فتقوم الدولة بالتمييز الطائفي، كما يحصل اليوم في العراق، حيث إن الدولة بكل أجهزتها منحازة للطائفة الشيعية، وحالات الإقصاء والتهميش لأهل السنة أكبر من أن تحصى، ومع هذا نسمع من بعض علماء السنة ومثقفيهم من يدعو إلى ترك «الخطاب الطائفي»!! وهو ما يعني من الناحية العملية سكوت أهل السنة عن كل تلك التجاوزات التي تستهدف عقيدتهم وهويتهم، وهذا يعني أن الميزان قد انقلب تماما، فالعلماء المكلفون ببيان الحق صاروا يتواصون بكتمانه خوفا من أن يتهموا بالطائفية، والدولة المكلفة بإقامة العدل صارت تمارس التمييز والظلم على أساس الهوية والمعتقد!
إن المعيار الذي يمكن اعتماده في تحديد السلوك الطائفي هنا هو التمييز المفضي إلى الظلم وانتهاك الحقوق الإنسانية والمدنية، أما التمييز الثقافي فهو ضرورة من ضرورات هذه الحياة، والقفز على هذه الضرورة هو قفز على الدين والعقل والواقع؛ إذ كيف يمكن الجمع بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك؟ وكيف يمكن الجمع بين من يعتقد أن الصحابة هم الجيل الأصلح للاقتداء والأقرب لحالة الكمال وبين من يعتقد أن الصحابة مرتدون عن الإسلام؟
لقد واجه الأنبياء في دعواتهم الإصلاحية نمطا من التفكير الوحدوي والذي يدعو إلى الحفاظ على وحدة المجتمع حتى لو كانت على الجهل والضلال، فقد قالت قريش عن محمد -صلى الله عليه وسلم-: «هذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرّق جماعتنا وشتت أمرنا» سبل الهدى ج2 ص417، وقالوا: «يفرّق بين المرء وابنه والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته» الشفا للقاضي عياض ج1 ص265، إلا أن القرآن الكريم كان يرد عليهم: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} العنكبوت 25.
ولقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحذّر أمته من الاختلاف، وهو في الوقت ذاته يعلمهم طريق الخلاص فيقول: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ) ابن ماجة ج1 ص16 وأحمد بن حنبل ج4 ص126.
إن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يكون بالتنازل عن العقيدة والدين، بل ولا بالتنازل عن واجب الإصلاح والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بالتنازل عن حرية التعبير وحرية الاجتهاد والبحث العلمي، وقد رأينا الغرب وهو من أسس لثقافة الدولة الحديثة أو دولة المواطنة كيف يقدّس حرية التعبير كما يقدس وحدة الوطن، بل يعتبرهما متلازمتين، فلا وجود للوحدة الوطنية مع ضياع الحرية.
لقد كان علماؤنا يرتجفون فرقا وخوفا من الله حينما يقرؤون مثل قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البيّنات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون*إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} البقرة 159-160، بينما نجد اليوم بعضا ممن ينتسبون للعلم لا يكتفون بالسكوت وكتمان الحق بل ويمارسون نوعا من التدليس والتضليل، فتراه في بيته ومجالسه الخاصة يكفّر من يشتم الصحابة وأمهات المؤمنين، وفي وسائل الإعلام يثني عليهم ويقول: لا فرق بيننا وبينهم!! والغريب أنه يعتقد أن هذا من السياسة!! ولا أدري أية سياسة تلك التي تجيز الكذب والتضليل والتلاعب في دين الله إلى هذا الحد؟
إن قول العالم للحق في أي مسألة كلية أو جزئية عقدية أو فقهية لا يمكن أن يسمى طائفية، وإن أدى هذا إلى الخلاف، فالتمايز الفكري مطلوب بحد ذاته وهو نتاج طبيعي لحرية الاجتهاد والتعبير، ولا بديل عنه إلا التدليس والتضليل، أما المرفوض فهو ما تقوم به الحكومة من هضم لحقوقنا وامتهان لكرامتنا وهذه هي الطائفية التي ينبغي أن نحاربها سواء وقعت علينا أم على غيرنا.
إن السياسة الصحيحة هي أن نحدد بدقة من نحن وماذا نريد ومن الآخر وماذا يريد، ثم بعد ذلك نتفق على عقد اجتماعي أو دستور يضمن الحقوق الوطنية لكل الأطراف، أما أن ندعو إلى التنازل عن هويتنا وعقيدتنا لصالح الوطن فإننا بذلك سنخسر الدين ونخسر الوطن أيضا.