


عدد المقالات 336
بعد أن أصبح التقارب أو التحالف بين الطرفين حقيقة واقعة ومعلنة وانتهى بذلك الجدل الطويل بين المثقفين العرب حول طبيعة هذه العلاقة والتي كان يلفها شيء من الغموض بسبب ممارسات التقية الدينية والسياسية، بقي السؤال الأهم والأخطر وهو: ما الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذا الدوافع؟ من مجمل المجادلات التي تثور هنا وهناك حول هذا الموضوع يمكن استخلاص النظريات الثلاث الآتية: أولا: النظرية البراجماتية، والتي تعتمد التفسير المادي المصلحي البحت، فالولايات المتحدة لا تهمها إلا مصالحها في المنطقة، ولا يخفى أن إيران قد فرضت نفسها بالقوة، فمع ما تمتلكه إيران من موارد اقتصادية ضخمة وموقع جغرافي مهيمن راحت تفرض وجودها في لبنان والعراق وسوريا وحتى اليمن والبحر الأحمر مع القدرة على تحريك خيوطها وخلاياها النائمة في أكثر من بلد عربي وإسلامي. ومؤدى هذا أن الأميركيين حينما يريدون أن يحلوا أية مشكلة في هذه المنطقة الواسعة فلا غنى لهم عن التنسيق المباشر مع الإيرانيين، على خلاف الدور العربي الخجول والخافت، وقد عبر أحد المسؤولين الأميركيين عن هذا بقوله: الإيرانيون صداقتهم تنفع وعداوتهم تضر، والعرب صداقتهم لا تنفع وعداوتهم لا تضر! وفي نظري أن هذه النظرية تأتي منسجمة مع القيم المادية السائدة اليوم والتي تعتمد المقاسات المصلحية البحتة في تفسير الأحداث، إلا أنها لا تخلو من تبسيط من الممكن أن يكتشف بأدنى تأمل، فالشاه كان وثيق الصلة بالغرب، وهو قادر على تحقيق مصالحهم مع ممارسة التغريب الثقافي داخل المجتمع الإيراني وهو الذي يضمن للغرب تحالفاً أعمق من التحالفات الرسمية الفوقية، فما الذي دعا إلى تغيير التاج الشاهنشاهي بالعمامة الخمينية؟ أما الأذرع الإيرانية في العراق ولبنان واليمن وغيرها، فلا يمكن استبعاد الدور الغربي في وجودها وتنميتها، فابتلاع إيران للعراق لم يتم إلا بالتنسيق الكامل مع الأميركيين، ومسألة تأجير الجزر الإريترية لإيران وجعلها معسكرات لتدريب الحوثيين وتزويدهم بالسلاح لا يمكن أن يتم دون إذن مباشر من البيت الأبيض، إن هذا ونحوه من المؤشرات يؤكد أن الواقع الذي صنعته إيران لم تصنعه لوحدها بل بالتعاون مع الغربيين، وكان بإمكان الغربيين أن يشكلوا الواقع بطريقة أخرى خاصة مع وجود تركيا الحليف الرسمي للغرب فلماذا تم تحجيم الدور التركي في المنطقة رغم تقدم الأتراك ونجاحاتهم المتنامية وفي الجانب الاقتصادي بالذات؟ وحتى الوضع العربي والذي كان من الممكن أن يحقق قدراً من التوازن لم يكن الغربيون بعيدين عن أسباب ضعفه وارتباكه بعد أن كاد العراقيون أن يحققوا تفوقاً نوعياً وكبيراً على إيران وبدعم مفتوح من دول الخليج، فمن الذي أجهض هذه التجربة وأوقع العرب في (داحس وغبراء) جديدة، وعلى الأقل أما كان بوسع الأميركيين -لو أرادوا- أن يعالجوا هذه المشكلة بطريقة أخرى تعاقب المعتدي وتحافظ على التوازن المطلوب بالوقت نفسه؟ ثانيا: النظرية التاريخية، وتستند هذه النظرية إلى طبيعة العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي من فجر الإسلام وإلى اليوم، حيث كان الصراع محتدماً في كل نقاط التماس مع السنة فقط، ففتح الشام ثم مصر وشمال إفريقيا ثم فتح الأندلس ثم فتح القسطنطينية والحروب الصليبية المتجددة، كل هذه المحطات كان صراع الغرب محصوراً مع السنّة فقط، بينما راح الشيعة يؤصلون للعن قادة هذه الفتوحات من أبي بكر وعمر إلى طارق بن زياد وصلاح الدين ومحمد الفاتح، وقد تحولت ثقافة اللعن هذه إلى تحالفات معلنة، يقول فيلسوف الثورة الإيرانية علي شريعتي: (من القضايا الواضحة وجود نحو ارتباط بين الصفوية والمسيحية حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية) التشيع العلوي.. ص206، وهذا الموقف يبدو منسجماً مع ثقافة وتربية طويلة الأمد تستند إلى عنوان (يا لثارات الحسين) وهو ثأر موجه ضد الأمة وليس ضد الآخرين، والآخرون لا شك أنهم يدركون هذه الحقيقة ويفكرون بالاستفادة منها وتوظيفها بالطريقة المناسبة لتحقيق مصالحهم. صحيح أن الغرب اليوم هو ليس غرب الأمس، فالوازع الديني لم يعد كما كان، والدولة الحديثة لم تعد تخضع لرغبات الكنيسة ورجالها، لكن هذا لا يمنع من وجود رواسب راسخة في اللاوعي تستدعي هذا التصنيف أو التفريق بين الأصدقاء التاريخيين والأعداء التاريخيين، خاصة مع وجود اللوبيات اليهودية المؤثرة والتي تعيش التاريخ بكل أبعاده ومحطاته. ثالثا: النظرية الجيوسياسية، فإيران تشكل حاجزاً جغرافياً كاملاً بين مشرق الأمة الإسلامية؛ إندونيسيا وماليزيا وباكستان وأفغانستان وبنجلاديش وبين مغربها؛ العالم العربي وتركيا، وهذه الأمة تنتسب إلى عقيدة واحدة وتاريخ واحد، وكانت تخضع لمرجعية سياسية واحدة، وإيران هي الدولة الوحيدة التي تنتمي لثقافة مغايرة تماماً وعاشت صراعاً طويلاً مع هذه المرجعية (الخلافة)، وبالتالي فإن إحياء هذه الثقافة النشاز ومدها بأسباب القوة يؤدي بالضرورة إلى بناء جدار فاصل يعيق أي تواصل محتمل بين مشرق الأمة ومغربها، وربما يكون موقع إيران هنا شبيهاً إلى حد ما بموقع إسرائيل الذي يمثل حاجزاً خطراً بين جناحي العرب الآسيوي والإفريقي. إضافة إلى هذا فإن الغرب ربما يفكر فعلا بخلق حالة من التوازن تعتمد على معادلة الكثرة بالقوة، الكثرة للسنة والقوة للشيعة، وبهذا يضمن الغرب انشغال الفريقين بخلافاتهما الداخلية والتي ستتحول بالتدريج إلى حالة من الاحتماء أو الارتماء بالحضن الأميركي. إن هذه النظريات التحليلية والمدعومة برصيد لا بأس من المعلومات ليست متناقضة ولا متضادة في جوهرها، والجدال الدائر حولها لا ينطلق بالضرورة من خلافات علمية موضوعية، وإنما هناك مجادلات أخرى أغلبها ذو طابع سياسي تلقي بظلالها الكثيف على هذه المجادلة، فهناك مثلاً المتورطون بمشاريع التقريب الديني والمذهبي، وهناك الحالمون بإمكانية حل المشاكل الثقافية والتاريخية المعقدة بالأدبيات والشعارات الوطنية المجردة، وهناك الذين تعودوا قبض المساعدات أو الرشوات السياسية من إيران تحت وطأة الحاجة أو الضرورة، كل هؤلاء لا بد أن يغضوا الطرف عن كل تحليل تؤدي نتائجه إلى خسارة ما ولو في الجانب النفسي أو المعنوي. إن هذا الخلط بين المقولات العلمية والمقولات السياسية قد أضر بالعلم وأضر بالسياسة، وكان من الواجب أن يطرح العالم ما يتوصل إليه علميا بكل أمانة، ثم بعد ذلك ننتقل مع السياسيين للبحث عن الموقف الصحيح والمناسب لوضعنا وإمكاناتنا. إن التعايش بين مكونات الوطن الواحد لا يقتضي أبداً تحريف الحقائق ولا التنازل عن الخصوصيات، بل إن أساس التعايش المتين هو الوضوح والثقة وأن يعترف كل مكون بخصوصية المكونات الأخرى وليس بالتنازل عنها أو بمحوها عن الآخر، أما سياسة (التقية) فقد أثبتت فشلها، ومن اللطيف هنا أن أذكر تعليقا ساخرا لمقتدى الصدر على تصريح لواحد من علمائنا (الوطنيين)، قال مقتدى: (سبحان الله كنا نستخدم التقية أيام صدام، صار السنة اليوم يستخدمون التقية) هكذا وصلتهم الرسالة، وهذا لا شك من شأنه أن يفقد الثقة ويقطع خيوط الحوار والتواصل وهو على عكس ما يتمناه دعاة التقريب.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...