alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

المتنبي.. والعفاف!

10 أغسطس 2016 , 06:56ص

لم يفخر أبوالطيب بشعره ونفسه فحسب، بل كان كثيراً ما يفخر بعفته، رغم عشقه وصبابته، وغزله، ورقي لفظه وتصويره. الله، ما أحلى تناقضاتك يا أبا الطيب! تعشق وتذوب في العشق، ثم تعف نفسك فلا تهوي في مهاوي الردى، هذا عند بعضهم تناقضٌ! وهو غاية الرجولة والحب العفيف، ألم تفتخر بأنك: يَرُدُّ يَداً عَنْ ثَوْبِهَا وَهْوَ قَادِرٌ وَيَعصي الهَوَى في طَيفِها وَهوَ راقِدُ! الله.. الله.. هو يقدر على ما يقدر عليه الرجال، لكن.. بالله عليك عُدْ واقرأ البيت مرة أخرى، وتلذذ بالوصف، هو يقول: إنه لا يعجز عنها، لكنَّ عِظَم حُبِّها في قلبه، وعِظَم اعتزازه بنفسه جعله لا يطيع هواه فيها، وهو قادرٌ عليها. ليس هذا العجب، وإنما الأعجبُ من هذا أن طيفها يأتيه في منامه فيتذكر عفافه حتى في منامه فيقدمه على رغبته وهواه. أما عذابُه فلا حدَّ له، فهو يشتكي من لواعج الشَّوق في قلبه لهيباً يحرق قلبه، فمتى يشفي نفسه من هذا العذاب وهو كلما اقترب منها وجد عِفَّتَه تقف حائلاً بينه وبينها، فكأنه بعيدٌ عنها: متى يَشتفي من لاعجِ الشَّوْقِ في الحشا مُحِبٌّ لها في قُرْبِه مُتَبَاعِدُ؟! ثم كأنه يعذب نفسه باللوم فيسأل نفسه: إذا كنتَ تخشَى العارَ في كلِّ خَلْوَة ٍ فَلِمْ تَتَصَبَّاكَ الحِسانُ الخَرائِدُ؟! إن كُنتَ تشعر بالعار كلما سنحت لك فرصة اللقاء، فلماذا تُعذب نفسك بالغرام والصبابة وعشق الفاتنات الحسان الغانيات؟! لكنه يعود فيعترف أنَّ هذا الأمر أمرضه، فأصبح بينه وبين المرض أُلفَةٌ وتعوُّدٌ، ولم يعد الطبيبُ ينفعُه، وملَّ من زيارته الناس: ألَحَّ عَليَّ السُّقْمُ حتى ألِفْتُهُ وَمَلَّ طَبيبي جانِبي وَالعَوائِدُ وحتى في أحلك الساعات يصف عفافه بما لا أستطيع الآن وصفه، لكن الأشنب الذي ستقرأ في بيته يعني به: رقيق الأسنان البيضاء. وَأشنَبَ مَعْسُولِ الثَّنِيَّاتِ وَاضِحٍ سَتَرْتُ فَمي عَنهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي! ويبلغ قمة الفخر بنفسه في العفاف إذ يرى أنه الوحيد في عفافه، لا يشابهه أحدٌ، وقد يُغضِبُ هذا محبوبتَه، لكنه مع ذلك شجاعٌ يُرضيها منه أن تراه مقداماً في الحرب لا يخشى أحداً: وَما كلُّ مَن يهوَى يَعِفُّ إذا خَلا عَفَافي؛ وَيُرْضي الحِبَّ وَالخَيلُ تلتقي! صدقت يا أبا الطيب.. إن عِبتُ عليك أمراً فإني أعيبُ عليك لفظةً منعني الحياءُ من ذكرها في مقالي: إِنِّي عَىخ شَغَفي بِما في خُمرِها لَأَعِفُّ عَمَّا في (...)! لكني أعذرك لما علمتُ أن الحسناوات يرين فيك ضرائر أيضاً، يرين: مروءتك، وفتوتك، وأبوَّتك؛ كأنَّهنَّ ضرائر تمنعهن منك: وَتَرى الفُتُوَّةَ وَالمُرُوَّةَ وَالأُبُوَّةَ فِيَّ كُلُّ مَليحَةٍ ضَرَّاتِها! ثم شرح أمره فقال: هُنَّ الثلاثُ المانِعاتي لَذَّتي في خَلوَتي، لا الخَوفُ مِن تَبِعاتِها! هذه الثلاثُ هي التي منعت لذَّتي.. وليس الخوف من تبعة هذه الخلوة فإني شجاع لا أهاب. يا أبا الطيب: عَشِقْتَهَا وعففت، وليس كلُّ من يعشق يعفُّ!

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...