alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

المسلمون والمشاركة في حكومة غير إسلامية (1-3)

09 أكتوبر 2012 , 12:00ص

هناك صور كثيرة للحكومة التي توصف بأنها غير إسلامية، وقد يتنازع الناس في تصنيف هذه الحكومة أو تلك تبعا لنظرتهم عن الحكم الإسلامي، وإذا تجاوزنا النزعات التكفيرية المتشددة والتي قد تحكم بالكفر على كل من خالف توجهاتها كما حصل للخوارج الذين وصلت بهم الجرأة أن يكفّروا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ومعه جمهور الصحابة بدعوى التحاكم للمخلوق بدلا من التحاكم للخالق وذلك في قصة التحكيم المعروفة بين جيش علي وجيش معاوية، فهؤلاء يكفرون اليوم كل الحكومات القائمة دون استثناء، ولكننا إذا تجاوزنا هؤلاء فإننا نجد كثيرا من الحكومات التي يمكن أن توصف بالفعل بأنها غير إسلامية إما لكونها هي بالأصل غير مسلمة وهذا أمر طبيعي في كل البلاد غير الإسلامية، وكذلك حكومات الاحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين كما هو الحال في فلسطين والعراق، وإما أنها حكومة تنتمي لثقافة مغايرة للثقافة الإسلامية بشكل قاطع كما هو الحال في بعض الحكومات العلمانية المعادية للدين. وحين يعيش المسلمون في ظل واحدة من هذه الحكومات فإنهم سيعيشون جدلا لا ينتهي حول الكثير من القضايا والمسائل الشائكة والمعقدة والتي لم يتفق المسلمون فيها على رؤية واضحة رغم تكرار التجربة وتراكمها وتنوعها. أولى هذه القضايا هي مشروعية المشاركة في هذا النوع من الحكومات، وحين نتكلم عن المشروعية فإننا نتكلم عن موقف الإسلام نفسه وليس عن شيء آخر، كما أننا نتكلم عن أصل المشاركة وليس عن مآلاتها أو ملابساتها في التجارب العملية المختلفة. في العراق كان الجدل بين الإسلاميين يدور منذ تشكيل الدولة الحديثة، وقد انحازت غالبيتهم العظمى أفرادا وجماعات إلى الانعزال والابتعاد، وقد كانت الأحداث الجسام تمر بالبلاد فلا يملكون إزاءها أي موقف «انقلابات عسكرية وحروب داخلية وخارجية وقرارات وتشريعات وتعيينات... إلخ» وأذكر بهذا الصدد تجربة فردية قام بها خطيب العراق المفوّه صبحي الهيتي حيث شذّ عن قاعدة الإسلاميين ورأى عن قناعة شرعية وسياسية ضرورة دعم الجيش العراقي في مواجهة المشروع الصفوي القادم من الشرق تحت عنوان «تصدير الثورة»، وقد زرت الشيخ في بيته قبل خروجي من العراق بأيام وأدركت أنه يمتلك بالفعل رؤية تميزه عن كل أقرانه، لكن مما يؤسف له أنه لحد الآن لم تجر دراسة تقويمية لتجربته ولا لتجربة مخالفيه. بعد الاحتلال الأميركي للعراق اشتدت الخصومة بين الإسلاميين، حيث بادر الأميركان إلى تشكيل مجلس الحكم باتفاق مسبق مع أغلب الأحزاب الشيعية والكردية وكان الاتفاق يقضي تخصيص خمسة مقاعد للعرب السنة من أصل خمسة وعشرين، ومع ما في هذا من ظلم فاحش إلا أن الجهد السني لم يكن منصبا لدفع هذا الظلم بل كان متمترسا حول مقولة «ما بني على باطل فهو باطل» فالاحتلال باطل ومجلس الحكم باطل، والواجب الشرعي هو العمل على إزالة كل هذا الباطل، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا الحزب الإسلامي حيث قرر المشاركة في مجلس الحكم وما تبعه من مفردات العملية السياسية ومفاصلها، وهذه من مفارقات التجربة العراقية حيث إن قادة الحزب الإسلامي كانوا على خلاف شديد مع أية محاولة لتقريبهم من المشاركة في ظل الحكومات العراقية السابقة، وكانوا يوجهون النقد الشديد للشيخ الهيتي، لكنهم اليوم يعودون لما انتهى إليه وربما بالدافع أو التبرير نفسه وهو الخوف من تغول المشروع الصفوي والذي أثبتت الأيام بالفعل أنه الأشد خطرا والأقدر على ابتلاع العراق ومسخ هويته العربية والإسلامية. اليوم وبعيدا عن العراق حيث أتيحت لي فرصة التعرف على أحوال الأقليات الإسلامية في أكثر من بلد أوروبي وإذ بي أفاجأ بالجدل نفسه وبذات الأدوات والمفردات، فما كنا نسمعه في الفلوجة والأعظمية نسمعه هنا في ستوكهولم وكوبنهاجن! ومن اللطائف هنا أن أسمع أن امرأة عراقية شيعية قد نجحت في الوصول إلى البرلمان السويدي وقد أسهم نجاحها هذا بإذكاء الجدل المستمر ولكن بنكهة أخرى. غالب الناس هنا كما في العراق وربما في الهند أو السند لا يتناقشون في الهدف من المشاركة أو الوسائل أو شروط المشاركين أو الظروف المناسبة وغير المناسبة أو تقويم المشاركات السابقة ومحاولة تجاوز إشكالاتها وإخفاقاتها، فكل هذا غير وارد إلا عند القليل، كما أن غالب النقاشات والحوارات لا تدخل في تفاصيل المشاركة وصورها المتنوعة والمتشابكة مثل المشاركة الحكومية والمشاركة البرلمانية، أو المشاركة في الوزارات السيادية كالخارجية والداخلية والدفاع والمشاركة في الوزارات الخدمية كالصحة والتعليم والأوقاف، وقد يصل الأمر إلى المساواة بين مشاركة الوزير بمنصبه ومشاركة الناخب الذي يدلي بصوته ويمضي، فكل هذه الصور داخلة في مفهوم المشاركة السياسية محل التنازع، وهذا من شأنه أن يحرم المسلمين ليس من الدور الفاعل في إدارة البلد بل حتى من محاولة ترجيح كفّة على أخرى بمقتضى تقريب أرجح المصلحتين أو دفع أشد المفسدتين. تجدر الإشارة هنا إلى أن المسلمين وهم يعزفون تدينا أو ورعا عن هذه المشاركات يعيشون من حيث الواقع تحت وطأة هذه الأنظمة بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والثقافية، فهم يبحثون عن الوظائف في هذه الدول ويرسلون أولادهم للتعلم في مدارسها ويوثقون معاملاتهم المختلفة في محاكمها ودوائرها، فكل هذا الخضوع الشامل ليس فيه مشكلة شرعية لكن المشكلة حينما يفكر المسلمون بالتأثير في مصدر القرار التشريعي أو التنفيذي! أذكر بهذا الصدد تجربة محدودة أيام كنت خطيبا في بغداد حيث أخبرني بعض المصلين أنهم قد تكلموا مع بعض المسؤولين بشأن غلق المحل الذي يبيع الخمور في المنطقة، وأن المسؤولين لم يمانعوا بشرط أن يكون هذا هو رأي الغالبية، فخصصت خطبة الجمعة لحض الناس على التصويت، وتم غلق المحل بالفعل، وكانت التجربة ناجحة ومشجعة، إلا أني فوجئت بمقولة انتشرت عند بعض الشباب «أن شرب الخمر أهون من المشاركة في هذا التصويت» لأن شرب الخمر إثم أما التصويت فهو كفر! في الدول الأوروبية التي تتبنى الديمقراطية ثقافة وسياسة هناك فرص كبيرة للتأثير، ففي السويد مثلا لا يوجد أي نوع من التعصب الديني المضاد للتوجهات الإسلامية، حيث يعيش غالبية السكان بلا دين، ومع هذا فهم ينظرون للنشاطات الدينية على أنها نوع من الفعاليات المجتمعية التي يجب أن تدعم، وقد حصل بالفعل أن قامت البلدية بتوفير عدد كاف من الحافلات لنقل المسلمين إلى مصلى العيد ذهابا وإيابا! إن التفسير الوحيد لعزوف المسلمين عن تفعيل دورهم السياسي في تلك المجتمعات رغم وجود المصلحة الراجحة دينيا ودنيويا إنما هو لوجود فكرة دينية حلت في الأذهان محل الثوابت والقطعيات فحواها أن مشاركة المسلم بأي وجه من أوجه المشاركة في حكومة غير إسلامية تنقل المسلم من خيمة الإسلام إلى خيمة الكفر أو من المظلة الإسلامية إلى المظلة الجاهلية! وهذه الفكرة من شأنها أن تقطع طريق الاجتهاد وربما تمنع التفكير بلغة المصالح والمفاسد أصلا. ولو أردنا أن نحصي الخسائر التي تكبدها المسلمون ثمنا لتمسكهم بهذه الفكرة لأعيانا العدّ، فالعزلة التي يشعر بها المسلمون وثقافة السلبية التي أصبحت جزءا من شخصيتهم لم تفقدهم حقوقهم المادية والمعيشية فحسب بل أفقدتهم القدرة على الاحتفاظ بهويتهم وخصوصيتهم فضلا عن التأثير في محيطهم، وهذا ما يستدعي إعادة النظر في أصل هذه الفكرة ومناقشتها تأصيلا وتكييفا، فنحن المسلمين نعتقد جازمين أن الإسلام هو الحل لكننا نجد في أكثر من تجربة أن فهمنا القاصر أو المتسرع للإسلام يحول بيننا وبين الحل، وهذه المعضلة المتكررة بحد ذاتها تحتاج إلى حل.

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...