


عدد المقالات 80
قلتُ مراراً إن أبا الطيب له قدرة عجيبة على الغوص على غريب المعاني، وتصوير المواقف بما ليس له نظير، أقرأ أحياناً بعض الأبيات فأشعر أنه كان يقولها وهو مغمض العينين، يختار من الحروف والتراكيب ما يراه في إغماضته تلك، بحيث إذا فتح عينيه يرددها الدهر كما ذكر هو: وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا أقذع في الهجاء جداً، لكنه في هذا جاء بعجائب اللفظ والمعنى، مرة أقرأ له: وَجُفُونُهُ مَا تَسْتَقِرّ كَأنّهَا مَطْرُوفَةٌ أوْ فُتّ فيها حِصرِمُ! يهجو رجلاً طلب منه أن يمدحه فاحتقره المتنبي، فهجاه هجاءً مُرَّاً، ومن ضمن ذلك هذا البيت الذي يصف فيه عيني المهجو لكثرة حركة جفونه كأنها عُصِرَ فيها عصير العنب الأخضر الصغير المعروف بحموضته، أو كأنّ أحداً ضربه على عينيه بطرف ثوبٍ.. كل هذا ورد في بيتٍ واحدٍ. وحكاياته مع العيون ووصفها لا تنتهي، قليلا ما يتغزل، لكنه في قليله أعذب من كثيرٍ من إزعاجات بعض من يدعون الغزل، مرة يصف نهاره بعد أحبته بأنه ليلة ظلماءُ شديدة الظلام مدلهمة، وأن عينه لم تعد ترى شيئاً من حزنه على فراقهم إلا الظلام الدامس: فإنّ نَهاري لَيْلَةٌ مُدْلَهِمّةٌ على مُقْلَةٍ مِنْ بَعدِكمْ في غياهبِ والآن.. دقِّق في الوصف: بَعيدَةِ ما بَينَ الجُفُونِ كأنّمَا عَقَدْتُمْ أعالي كلِّ هُدْبٍ بحاجِبِ! قبحك الله يا أبا الطيب ما أبلغك وأفصحك! يقول: إن عينيه أصبحتا مفتوحتين عن آخرهما، كأنما رُبطتْ (رموشُ عينيه) بحاجبيه فلا يستطيع أن يُغمضهما! ومن روائعه أيضاً: هل تخيلتم طريقاً مُظلماً في الليل، تسير فيه امرأةٌ وجهها يُضيءُ كالقمر فتنير الدروب؟ وهذا يُعفي العُذَّال من مراقبتها، لأنَّ ضياء وجهها الذي هو كالشمس، ونفحات الطيب والمسك من أردانها؛ كل ذلك يفضحها: أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُّجى الرُقَباءُ إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ! قَلَقُ المَليحَةِ وَهيَ مِسكٌ هَتكُها وَمَسيرُها في اللَيلِ وَهيَ ذُكاءُ ثم.. صوّر لنا فاتنةً لا تهزها دموع العشاق؛ لسببٍ غريب! هي تحسب أنّ هذه الدموع هي خلقة خُلقتْ في عيونهم؛ مثلها مثل الأنف والعيون، والفم، والشارب! أتُراها لكَثْرَةِ العُشّاقِ تَحْسَبُ الدّمعَ خِلقَةً في المآقي؟! ثم أيضاً.. من أروع روائعه أنه يجعلك تتبسم إذا ذكر لك التبسم! لكن هذه المرة سوف تتبسم! هل تقبل التحدي؟! خذ إذن: أتَحْسَبُ بِيضُ الهِندِ أصلَكَ أصلَها وَأنّكَ منها؟ سَاءَ ما تَتَوَهّمُ! يقول: إن هذه السيوف المنسوبة إلى الهند تحسب أنك يا سيف الدولة منها، وهي واهمة أسوأ الوهم! لأننا إذا ذكرنا اسمك، وكانت هذه السيوف مُغمدةً فإنها من فرحها وشدة تيهها، نظنها تتبسم داخل أغمادها: إذا نَحْنُ سَمّيْناكَ خِلْنَا سُيُوفَنَا منَ التّيهِ في أغْمادِها تَتَبَسّمُ! رحمك الله يا أبا الطيب!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...