


عدد المقالات 336
لما ظهر الخلاف الحاد بين أردوغان وفتح الله كولن كنت واحدا من المتخوفين جدا على مستقبل التجربة التركية، لما أعلمه من نفوذ جماعة كولن في المؤسسات المختلفة وعموم المجتمع التركي لتبنيها برنامج (الخدمة) الواسع ولما يتمتع به زعيمها من قدرة خطابية فائقة وجاذبية روحية قلّ مثيلها، وقد اتصلت حينها بأحد أصدقائي الأتراك المقربين من (العدالة والتنمية) وقال: إن السيد أردوغان لم يصرح بموقفه من كولن إلا بعد استبيانات واسعة أكدت له أن قناعة الشارع التركي بالتجربة السياسية للعدالة والتنمية لن تتأثر إلا بحدود الواحد والنصف بالمائة 1.5% ليس بسبب هبوط شعبية كولن بل لأن طبيعة الشعب التركي يفصل بين المشاكل، ولا يدخل بعضها ببعض، فكولن ليس عنده تجربة سياسية بخلاف أردوغان، ولذلك فحتى المعجبين بكولن سينتخبون أردوغان لأن قناعتهم السياسية معه وليس مع (شيخهم)! أما التيارات (العلمانية والليبرالية) فمن المتوقع أن تزيد نسبة تأييدهم لأردوغان بعد أن ينأى بنفسه عن هذه الجماعة، كان هذا الحوار قبل بضعة أشهر، وجاءت الانتخابات اليوم لتؤكد مصداقية هذه التحليلات، بل لتضيف نجاحا جديدا للتجربة الأردوغانية وللتجربة التركية عموما. ليلة العد والفرز كنت ألاحظ على شاشة التلفزيون التركي حماسة أحد أقطاب حزب(السعادة) وسعادته البالغة بالتباشير الأولى لفوز أردوغان، ولمعرفتي بتأريخه الطويل وعلاقاته المتميزة مع الزعيم التاريخي للسعادة السيد نجم الدين أربكان-رحمه الله- كنت أظن أن السعادة لم يدخل هذه الانتخابات!، لكني تأكدت أنه داخل في الانتخابات وأنه لم يحقق أكثر من 2%، وهي نسبته ذاتها في الانتخابات الماضية، فلماذا يفرح هذا الرجل ويتبادل التهاني مع أحبابه وأصدقائه؟ الحقيقة أنه يفكر بالطريقة الآتية، وهذا ما فهمته منه في أكثر من حوار: إن العدالة والتنمية حزب جماهيري واسع، والسعادة حزب نخبوي تربوي، فحين أبحث عن الصفاء والأخوة والتربية الصالحة فأنا مع السعادة، وحينما أبحث عن مصلحة تركيا الكبرى فأنا مع العدالة والتنمية، والنسبة تتناسب مع المنهج الذي ارتضيناه، كما أن نسبتهم تتناسب مع البرنامج الذي ارتضوه، وتركيا بحاجة إلى كل هذه البرامج! فالحزب الذي يتمكن من حشد مليون إنسان في الشارع، قد لا يستطيع أن يربي مائة شخص تربية سليمة وناضجة، والعكس صحيح أيضا، وهنا تتكامل الأدوار. قبل سنوات كنت قد زرت مركزا لتطوير الكفاءات في اسطنبول، فوجدت فيه الإسلامي والعلماني والليبرالي ..الخ فسألت أحدهم: كيف تعملون في هذا المركز دون مشاكل؟ قال: ما ذا تقصد؟ قلت لو كان هذا المركز عندنا لحاولت كل جماعة أن تستأثر به بمختلف الطرق، فانتفض بوجهي وقال بالنص وبلكنة تركية (هذا عيب! هذا لا يدع مجالا للعمل المشترك، وإذا كانت الجماعة تفكر ببناء مؤسسة خاصة بها فمن يمنعها؟ لكن حينما تشترك مع الآخرين ثم تخطط للاستيلاء والاستئثار فهذه سرقة، وظل يكرر (هذا حرام، هذا حرام)، فقلت له: صدقت لكنه عندنا قد لا يكون كذلك، فنحن نتقرب إلى الله بهذه السرقات و هذه المحرمات ولدينا ما يكفي من المبررات الدينية والأخلاقية! أذكر في هذا الخضم جدلا دار عندنا بعد تصريح الشيخ القرضاوي أنه ينوي انتخاب عبد المنعم أبو الفتوح، فجاءه رد من أحد علماء العراق يتضمن حرمة انتخاب أي مرشح غير مرسي، وأدخل الموضوع في باب البيعة والسمع والطاعة..الخ وأيضا نقلت المجادلة هذه إلى أكثر من جهة في تركيا، فقالوا: عندنا لا يمكن أن تصدر أية جماعة توجيها لأفرادها بانتخاب فلان أو أنتخاب غيره من داخل الجماعة أو من خارجها، وأن أية جماعة تتجرأ على مثل هذا فإنها ستخسر أقل شيء 50% من أفرادها، وأنها ستسقط في المجتمع التركي، لأن التصويت مسؤولية فردية حصرا، وهي شهادة وأمانة، أما أن تصدر فتوى فهذا لا يمكن طبعا. توفيت قبل سنتين -على ما أذكر- والدة أردوغان السيدة (تنزيلا)، وقدّر لي الله أن أشارك في مجلس العزاء الرسمي وبحضور رئيس الوزراء طبعا، وكان بجنبي رجل معمم يرفع يديه بين الحين والحين ويدعو، ولما رآني غير متفاعل معه، قال لي: أرجوك أدع لتنزيلا، وسالت دمعته! فظننت أنه من أقربائها، أو أنه من (العدالة والتنمية)، لكني تأكدت منه أنه لا هذا ولا ذاك بل هو من المتقدمين في جماعة النور، هذه الجماعة التي ترفع شعارها باستمرار (نعوذ بالله من الشيطان والسياسة)! لا يظنن ظانّ أني أقصد بهذه النماذج أن الأتراك لا يختلفون ولا يتخاصمون، لا، بل أقصد أنهم أقدر منا على إدارة خلافاتهم، وتوجيهها بما يخدم الصالح العام. قلت لواحد من الإسلاميين المبرّزين عندهم: كيف تعايشتم قرنا من الزمان مع نظام يحرّم عليكم الأذان، والحجاب، ويمنع اللغة العربية، ويمسخ اللغة التركية..الخ فقال ضاحكا: نعم لو كنا عربا لأعلنا (الجهاد)! ولحرقنا أرضنا وثرواتنا ومستقبل أولادنا، ولتدخل الغرب يدعم هذا الطرف مرة ويدعم الطرف الثاني مرة أخرى، ثم لا نكسب شيئا من ديننا ولا دنيانا. فهمت فيما بعد من خلال محاضرة خاصة ومعمقة للسيد أحمد داود أوغلو قبل تسلمه لوزارة الخارجية، أن موقف (الإسلاميين) الأتراك كان يعتمد على فلسفة واستراتيجية-غريبة بالنسبة لنا- وهي (احترام النظام ومحاسبة الحكومة)، فقد ساهم الإسلاميون في ترسيخ احترام الشعب التركي للدستور مع أنه دستور علماني مخالف لمعتقداتهم وأدبياتهم، وذلك لغايتين اثنتين: الأولى: أن الدستور هو الوثيقة الأولى للبلاد، ولذلك يصاغ بعناية وبطريقة مقبولة للرأي العام داخليا وخارجيا، في حين أن الحكومات هي التي تقوم عادة بخرق الدستور، فالدستور لا يمكن أن يكون أسوأ من الحكومة، وعليه فإن احتماء الشعب بالدستور ثقافة وممارسة يحرج الحكومة ويجعلها في دائرة المحاسبة، بخلاف تجربة (الإسلاميين العرب) التي تمنح كل شيء للحكومة حتى الدستور والقانون والجيش والأمن، وتعلن المفاصلة الكاملة، وهذا لا يقود إلا إلى واحدة من اثنتين؛ المصادمة أو الانعزال. الثانية: أن الشعوب بحاجة إلى أي نظام لتلافي الفوضى والشتات، ومهما كان اعتراضنا على الدستور، فإن الالتزام به أولى بكثير من شيوع الفوضى، ثم إذا كان الإسلاميون لا يلتزمون بالدستور تدينا، فإن هناك الكثير من عصابات الجريمة المنظمة وشبكات الفساد الحكومي وخلايا المافيا ستستفيد كثيرا من حالة الفوضى أكثر بكثير من فائدة (المشروع الإسلامي). ولذلك حينما صعد أردوغان على منصته ليعلن بكل وضوح: (نحن حماة العلمانية في تركيا)، لم يستطع الكثير من (الإسلاميين العرب) أن يفهموا ذلك إلا بمستويين؛ مستوى (المجاهدين) وهو عندهم ردة صريحة عن الإسلام، وأن أردوغان خدع المسلمين ونكث بهم، ومستوى المثقفين والسياسيين؛ أن هذا تكتيك مرحلي و (تقية سياسية)، والحقيقة لا هذا ولا ذاك، فأردوغان لديه مشروعه الطموح -لا شك- لكنه ملتزم بعقد اجتماعي مع شعبه ووفق النظام القائم، ولن يتجرأ أن يغير هذا النظام إلا بالأدوات الدستورية والقانوية، التي تجعل الشعب هو الذي يقوم بالتغيير ويبقى هو الجهة المنفذة لا غير، هذه هي طبيعة العقد، والوفاء بالعقد من الدين (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...