


عدد المقالات 369
تجرى في السودان بعد فترة قصيرة الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن ينتخب الشعب فيها رئيس الجمهورية لدورة جديدة، ورغم أهمية المنصب الرئاسي وخطره لا تجد هذه الانتخابات اهتماماً شعبياً؛ حيث يترشح الرئيس عمر البشير عن حزب المؤتمر الوطني وينافسه ساسة مغمورون يمثلون أحزاباً غير معروفة. بعد أن قاطع الانتخابات الساسة الكبار والأحزاب الجماهيرية لشكّهم في نزاهتها.. هذه الحالة ظلت تلازم تجربة النظام الجمهوري الرئاسي في السودان منذ بدئه على يد الرئيس الأسبق جعفر نميري. الشيء الذي يمكننا من القول بلا تردد: إن السودان لم يعش تجربة نظام رئاسي حقيقي. في بداية العهد الوطني طبق النظام البرلماني الذي يعني انتخاب رئيس الحكومة من البرلمان لا انتخاباً شعبياً مباشراً، ويكون رئيس الحكومة هو صاحب السلطة الفعلية، بينما تمثل رئاسة الدولة رمزية السيادة. كما هو الحال في بريطانيا وإيطاليا والهند وغيرها من دول النظام البرلماني. وعليه أصبح إسماعيل الأزهري المنتخب من البرلمان هو الرئيس والحاكم الفعلي، بينما تولى مجلس خماسي رئاسة الدولة. ونص الدستور حينها على تداول الرئاسة شهرياً بين أعضاء المجلس، وبما أن شرعية الرئيس مستمدة من البرلمان. فقد فقد أزهري رئاسة الحكومة بعد أن سحب منه البرلمان الثقة وآلت الرئاسة لعبدالله خليل.. كان نظاماً برلمانياً مكتمل الأركان، ولم يشكك طرفا الحكم والمعارضة في ديمقراطية الممارسة السياسية. وانتهت التجربة البرلمانية الأولى بالانقلاب العسكري في نوفمبر 1958 الذي أدار البلاد بالطريقة الشمولية القابضة التي تناسب الأنظمة العسكرية. لمّا عادت الديمقراطية بعد ثورة أكتوبر في 1964 ألغى نظام الرئاسة الدورية في مجلس السيادة. بعد أن نص الدستور المعدل على ديمومة الرئاسة لرئيس واحد، فاحتل إسماعيل الأزهري رئاسة مجلس السيادة. هذا التعديل الدستوري بجانب قامة الأزهري العالية جعل السلطة منقسمة بين رئاستين، وضاعت بعض ملامح النظام البرلماني المفترض. ومن أوضح أدلة القوة التي اكتسبها موقع رئاسة الدولة أن إسماعيل الأزهري احتفظ بمنصب رئيس مجلس السيادة حتى بعد أن نال حزبه الأكثرية البرلمانية في الدورة الانتخابية الثانية، ولم يفضل أزهري رئاسة الحكومة على رئاسة مجلس السيادة.. لكن هذه الملامح الجديدة لم تغير جوهر برلمانية النظام، إلا أن ما ينبغي التنويه إليه هو أن القوى السياسية قد اتفقت على الانتقال إلى نظام جمهوري رئاسي، وبدأ السودان يتهيأ لهذا الانتقال. وشرعت الأحزاب في إعداد نفسها لانتخاب أول رئيس جمهورية.. وقد يفسر احتفاظ أزهري مرشح الاتحاديين لرئاسة الجمهورية بمنصب رئيس مجلس السيادة بأنه تمهيد لانتقاله لرئاسة الجمهورية. فقد كان أزهري الأوفر حظاً، خاصة بعد مصالحته مع حزب الشعب الديمقراطي. لم يتمكن السودان من تنظيم أول انتخابات رئاسية تحت مظلة الحكم الديمقراطي بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالديمقراطية في مايو 1969، وجرت انتخابات الرئاسة فيما بعد على الطريقة الشمولية التي لا تسمح بتعدد المرشحين.. فبعد أن قضى الرئيس نميري على الانقلاب الشيوعي في 1971، رأى أن يحل مجلس قيادة الثورة، وأن يرشح نفسه رئيساً للجمهورية؛ فكانت انتخابات المرشح الواحد الذي يعرض نفسه لاستفتاء شعبي تعرف نتيجته سلفاً، وعليه ولدت تجربة النظام الرئاسي الأولى ناقصة ومشوهة. بعد سقوط نميري عاد السودان للنظام البرلماني الذي وجد حظه كاملاً للبروز بكل ملامحه لميلاده تحت مظلة الديمقراطية.. ولما سقطت الديمقراطية الثالثة بانقلاب يونيو 1989، غابت كل الملامح الديمقراطية، وكعادة جل الأنظمة العسكرية. حاول النظام إضفاء ملامح ديمقرطية على وجهه، فتم حل مجلس الثورة كما فعل الرئيس نميري بمجلسه، وترشح الرئيس البشير للرئاسة في انتخابات أجريت عليها بعض التحسينات الشكلية. فسمح بتعدد المرشحين مع الإبقاء على قيود لا تسمح بالفوز لغير الرئيس البشير. فكانت انتخابات رئاسية غابت عنها الرموز السياسية المعروفة. وأضفى عليها وجود بعض المرشحين الهزليين طرافة وعرّضها للسخرية. وهكذا لم يجد النظام الجمهوري الرئاسي الذي طبق تحت حكمين شموليين أية فرصة للظهور بملامحه الكاملة، كما حدث للنظام البرلماني. ولذا لا يمكن عقد مقارنة منصفة بين تجربتي الرئاسي والبرلماني في السودان. أما المقارنة من الناحية النظرية فلا تمنح أياً من النظامين أفضلية مطلقة. فلكل مزاياه. وتنجح التجارب بدرجة المسؤولية عند القائمين عليها. لا بالإطار النظري لكل نظام. وعلى سبيل المثال يعتبر البعض أن النظام الرئاسي يحفظ للسودان وحدته بعد أن ينال الرئيس تفويضاً شعبياً لا تجده حكومة النظام البرلماني المعرضة للسقوط عند أول اقتراح بسحب الثقة. كما أن التجارب البرلمانية السابقة لم تمنح حزباً أغلبية مطلقة إلا مرة واحدة. الشيء الذي يفرض ائتلافات بين أحزاب متشاكسة تشكل حكومات عاجزة.. ويرى أنصار النظام البرلماني أن هذا النظام يمنح التفويض لممثلي الشعب الذين يكونون أكثر تأهيلاً من عامة الناس في منح التفويض لمن يستحق. وتكون الرقابة على الحكومة في النظام البرلماني ألصق وتقويم الأداء أفضل.. لكن -وكما أسلفنا- فإن العبرة في التطبيق الذي يفترض أن يقوم عليه ساسة في مستوى المسؤولية الوطنية الكبيرة، فها هي دول عديدة أحرزت مستويات عليا في التقدم رغم عدم تطابق أنظمتها. فقد أصبحت الولايات المتحدة وفرنسا ذات النظام الرئاسي من الدول العظمى. ولم تحرم من التقدم بريطانيا وألمانيا وكندا ذوات النظام البرلماني.. كلها أشكال للحكم. وتبقى المضامين بأيدينا. • aim.hamad@yahoo.com
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...