الأحد 6 رمضان / 18 أبريل 2021
 / 
09:19 م بتوقيت الدوحة

حلقة مفرغة..!

أسامة عجاج
مقارنة الصور المنشورة لوزراء الخارجية الثلاثة، المصري سامح شكري، والسوداني إبراهيم الغندور، والإثيوبي تيدروس أدنا هوم، بعد انتهاء مارثون المباحثات التي استضافتها العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع الماضي، وبين صور رؤساء مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا في مارس الماضي، في حفل التوقيع علي وثيقة إعلان الخرطوم، تكشف لنا حجم الأزمة الخاصة بسد النهضة، في الثانية تشابكت الأيادي وظهر البشر على الوجوه الثلاثة، وتم تصديرها على أنها نهاية سعيدة لأزمة مستعصية، بينما في الأولى، مسك كل وزير بورقة في يده، عرفنا بعدها أنها محضر أو بيان بنتائج الاجتماعات، وهناك تباين كبير حولها، ولم تستطع التصريحات المتفائلة، التي خرجت بعد الاجتماع على لسان الوزراء الثلاثة، إخفاء حقيقة مهمة أجمع عليها كل المراقبين، بأن الأمور تدور في حلقة مفرغة، وأننا نعيد من جديد سيناريو المباحثات الإسرائيلية الفلسطينية، وفود تجتمع وتظهر للإعلام وتصرح ولكن النتيجة «صفر»، حتى أصاب الطرفين الملل، فقررا الامتناع عن الاجتماعات، وظلت الأزمة علي حالها، والأوضاع على الأرض الفلسطينية تتفاقم يوما بعد يوم.
التصريحات التي ظهرت هي في حقيقتها تسويق للأوهام، وإشاعة لأجواء من التفاؤل الكاذب، من قبيل «نسير بخطي واثقة، ونعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، ونبني في كل مرحلة على التي سبقتها مزيدا من التفاهم والثقة»، كما قال الوزير المصري، أو «قررنا أن نسبح معا، ويمكننا أن نحقق شراكة استراتيجية «كما أشار الوزير الإثيوبي، أما نظيره السوداني فقد زاد علي ذلك كثيرا، عندما وصف ما تحقق من نتائج بـ»التاريخية»، رغم أنه أضاف أنها استكمال لاتفاق إعلان المبادئ، الذي سبق أن تم توقيعه في مارس من العام الماضي، وزير الري المصري حسام مغازي كان الأكثر تواضعا، والأوقع نظرة إلى ما تحقق، عندما قال: إن الوثيقة التي وقعها الوزراء ليست اتفاقية جديدة، بل هي مخرجات للاجتماع السداسي» وبمعني آخر هي تمثل بيانا صحافيا قدمه الوزراء الثلاثة للإعلام، ومن خلاله إلى رأي عام مشغول بقضية سد النهضة بصورة أو بأخرى في الدول الثلاثة، والحقيقة أننا أمام كارثة حقيقية، عندما يجتمع وزراء الخارجية والري في الدول الثلاثة، للمرة الثانية خلال شهر، بعد اجتماعات لوزراء الري ولجان فنية، وتكون هذه هي المحصلة، وتلك هي النتائج، من نوعية التأكيد على التزام الدول الثلاثة بإعلان الخرطوم في مارس الماضي، بمعني أنه بعد مرور كل تلك الشهور التسعة، لم تكن كافية لإثبات ذلك الأمر، وتخرج وسائل الإعلام المصرية للحديث عن موافقة إثيوبيا، على الالتزام بالبند الخامس من اتفاق إعلان المبادئ، الخاص بقواعد الملء والتشغيل على أنه إنجاز، رغم أن الالتزام أصلا بمجمل البنود هو الأساس، يضاف إلى ذلك الاتفاق على اجتماع آخر في فبراير القادم، وكذلك اختيار بيت خبرة فرنسي جديد، بدلا من الهولندي الذي انسحب، لإجراء 30 بالمائة من حجم الدراسات الفنية المطلوبة، حول تأثيرات بناء السد على كل من مصر والسودان، على أن تنتهي الدراسات خلال ثمانية أشهر، وتشكيل لجنة فنية من الدول الثلاثة، تعقد اجتماعاتها في العاصمة الإثيوبية للنظر في دراسة طلب مصر، والخاص بزيادة فتحات السد من 2 إلى 4 والتي سيتم استخدامها في حالات الطوارئ، لتصريف المياه الكافية لدولتي المصب، وقد عرضت مصر أن تحمل تكلفة ذلك، يضاف إلى ذلك تقديم إثيوبيا دعوة لممثلي الدبلوماسية الشعبية والبرلمانيين من مصر والسودان بزيارة السد، كبادرة حسن نوايا،رغم أن هناك وفودا سودانية أتيح لها الزيارة، كما أن كل هؤلاء ليسوا مختصين ليحددوا من خلال الزيارة، ما إذا كان السد ضارا بمصر والسودان أم لا؟
الاجتماع اقتصر علي البحث في الفروع، دون أي إنجاز حقيقي أو تعامل مع أصل المشكلة، التي أصبح يطلق عليها في الإعلام وفي تصريحات المسئولين «شواغل مصر»، وهمومها ومخاوفها التي سبق الحديث عنها، بل استمرت في نهج التفاوض من أجل التفاوض، أو كمن يفسر «الماء بالماء» فليس هناك أي حديث لوقف بناء السد مثلا، في انتظار نتائج دراسات اللجان الفنية، بل الغريب أن هناك تصريحا للوزير المصري سامح شكري، بأن «شرط وقف البناء في موقع السد في وقت المفاوضات، شرط لا يمكن إبلاغ إثيوبيا به؛ لأنها بداية لفشل المفاوضات»، فإذا الوزير المصري يخشي من مجرد إبلاغ إثيوبيا بهذا المطلب، كما أن الاجتماع لم يثمر عن أي نتائج، بخصوص مواصفات السد وارتفاعه وسعة تخزينه، التصريح الوحيد حول تلك القضايا، جاء علي لسان وزير الري الإثيوبي عندما نفى أن تكون بلاده قد توصلت إلى اتفاق مع مصر والسودان حول ملء السد، وقال: «إن أعمال البناء مستمرة ولن تتوقف، وملأه سيتم حسب الجدول الزمني للبناء» كما أكدت أديس أبابا بأنه لا مجال لإنقاص السعة التخزينية للسد التي صممت على أساسها مواصفاته الفنية، وقد رفضت إثيوبيا طلبا مصريا بزيادة ملء السد إلى 11 عاما، وهي المدة التي تقلل من المخاطر، التي يمكن أن تتعرض لها مع السودان، وكان الرد الإثيوبي واضحا، بأن أقصى مدة لتلك العملية هي ست سنوات، ولا يمكن إطالتها عن ذلك لاعتبارات تتعلق بأمور ومسائل اقتصادية، كما رفضت إثيوبيا طلبا مصريا بتخفيض حجم المياه المخزنة، إلى 50 مليار بدلا من 74 مليار.
المعنى واضح أن مصر لم تحقق أي إنجاز يذكر من الاجتماعات السابقة، وليس من المتوقع أن يتم التوصل إلى صيغة تحفظ حقوق الطرفين، إثيوبيا في التنمية، واستخراج الطاقة، وحتى لزراعة ملايين الأفدنة، ومصر من حقها في الحياة وفي الحفاظ علي حصتها المائية دون نقصان، وإن كان الأمر يحتم على دوائر صنع القرار الإعداد للمستقبل بصورة أكثر واقعية، بعيدا عن التفاؤل الشديد بحسن نوايا الجانب الآخر، والذي جسده حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من أن إثيوبيا أكدت لنا «السعي إلى تحقيق المصلحة المشتركة للجانبين» والغريب في الأمر أن البدائل المطروحة محدودة وغير مأمونة العواقب، خاصة وأن اتفاق إعلان المبادئ، لم ينص عليها، واكتفي بالإشارة إلى استمرار التشاور لحل الخلافات، والأمر يستدعي تحركا مصريا باتجاه البحث عن وسائل ضغط على إثيوبيا، وهناك من الدول العربية من يستطيع ذلك، بحكم المصالح الاقتصادية التي تجمعهما معا، وكذلك السعي لدى الدول والمنظمات الدولية الممولة للمشروع، لوقف هذا التمويل، وربطه بحل الخلافات بين الدول الثلاثة، وإن كان التوصل إلى إعلان المبادئ شجع دولا عديدة وهيئات دولية على الدخول على خط تمويل السد، على خلفية انتهاء المشاكل، وهناك الوساطات الإفريقية، والقمة الإفريقية القادمة على الأبواب، وستعقد في مقر منظمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، كما يمكن لمصر اللجوء إلى مجلس الأمن، وللأسف هناك سابقة لم تلتزم فيها أديس أبابا بقرار من المنظمة الدولية، في حالة بناء سد بحيرة توركان الذي أثر بالسلب على كينيا، أما التحكيم فأمره صعب، لأنه يستلزم موافقة الطرفين على الذهاب إلى محكمة العدل الدولية.
الأمر جد صعب ولكنه ليس مستحيلا، المهم أن نستعد في مصر ومنذ الآن لنهاية مرحلة النوايا الحسنة التي حكمت التعامل في هذا الملف الهام.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

استباحة رئيس!! (2-2 )

16 مارس 2013

حماس.. المفترى عليها..!!

21 سبتمبر 2013

للعدالة وجوه أخرى!

12 ديسمبر 2013

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

مصر وتركيا.. هناك فرق!

20 يونيو 2015

أم الكوارث!

02 يناير 2016