هل انتهى الإسلام السياسي؟
06 نوفمبر 2014 , 07:19ص
هل هناك مستقبل للإسلام السياسي في المنطقة العربية؟
أحداث كثيرة، وتطورات مختلفة، جعلت للسؤال وجاهة، وللاستفسار منطقا، ومن البحث ضرورة، خاصة أنه يحمل جزءا مهما من مستقبل المنطقة العربية، فنحن أمام مشهد سياسي ملتبس ومعقد، ويختلف من دولة إلى أخرى، من احتلال حزب النهضة المركز الثاني في أول انتخابات برلمانية في تونس، ومحاولة استئصال حزب الحرية والعدالة، ومعه بقية أحزاب تيار الإسلام السياسي، من خريطة الحياة الحزبية في مصر، مع تناقض واضح، تبرزه تصريحات السلطة الحاكمة من خلال حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عن أن مشروع الإسلام السياسي فشل، بينما وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، وبعدها بأيام، وفي معرض تحذيره من إجراء الانتخابات البرلمانية في مصر، قال: إن كل التوقعات تشير إلى أن الإخوان المسلمين، سيفوزون بنسبة معتبرة من مقاعد مجلس النواب القادم، حددها الدكتور سعد الدين إبراهيم، بـ%35، ولأن الظاهرة لا تتعلق بمصر أو تونس فقط، بل هي أبعد من ذلك، وأعمق بكثير، فمن المهم رصد الإجابة عن السؤال، من خلال عدد من الملاحظات وهي:
أولا: لا بد من التأكيد على مسألة ضبط المصطلح، الخاص بالإسلام السياسي، فمن الخطورة بمكان، التعامل معه من خلال التعميم، فالأمر يتعلق بعنوان كبير أكثر منه تعبير عن واقع تنظيمي، رغم الإقرار بأن العباءة التي خرج منها الجميع قد لا تخرج عن جماعه الإخوان المسلمين، التي بدأت في مصر في عشرينيات القرن الماضي، ولكن الفروع عديدة ومتباينة، والخلافات كبيرة، نحن إذا أمام نوعين من أحزاب الإسلام السياسي:
- الأغلب هي التي قبلت بقواعد اللعبة الديمقراطية، وسعت إلى أن تكون حزبا، أو فصيلا أو جماعة، تسعى إلى العمل السياسي، من خلال صناديق الانتخابات، والتمثيل في البرلمان، وهناك العديد من الأحزاب، أو الجماعات أو المنابر، التي تنتمي إلى ذلك التصنيف، ليس في مصر وحدها، ولكن في كل الدول العربية من دون استثناء، فهناك جمعيات سياسية تنتمي إلى الإسلام السياسي في الكويت والبحرين، وقد أتاح الربيع العربي، للكثير من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، المشاركة الفاعلة في العملية السياسية، في مصر هناك أكثر من عشرة أحزاب، وفي تونس هناك حزب النهضة، وحزب الإصلاح في اليمن أقدم من ثورة فبراير، وحزب والبناء والتنمية في ليبيا، والحزب الحاكم في السودان، وحركة حماس في غزة، ناهيك عن السلفيين، الذين دخلوا للعمل السياسي متأخراً في دولة مثل مصر، وإن كانوا موجودين في البحرين والكويت، وإن كانت تجربتهم في مصر هي الأبرز، فقد جاؤوا ثانيا بعد الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانية، التي تمت بعد ثورة 25 يناير 2011، وهناك عدد من التنظيمات التي يمكن رصدها في هذا الإطار بعد أن قامت بمراجعات فكرية، وانحازت إلى خيار الصندوق بعيدا عن العنف، التي مارسته في فترة من الفترات، ومن أشهرها الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر، الذين شكلوا أحزابا سياسية شاركت في الانتخابات البرلمانية السابقة.
- أما الأقلية فهي تنظيمات محدودة العدد، كبيرة التأثير، وهي التي تكفر المجتمع، وترفض آليات الديمقراطية، وترفع شعارات عودة الخلافة الإسلامية، ولعل بدايتها كانت في السجون الناصرية، في ستينيات القرن الماضي، بعد المحنة الثانية للإخوان، وصدامهم مع عبدالناصر في عام 1964، وحاولت الجماعة التصدي لهم، وتفنيد فكرهم المتطرف، من خلال الكتاب الشهير لمرشد الجماعة المستشار حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة»، وهم جماعة التكفيريين وأشهرهم شكري مصطفى، الذي تورطت جماعته التي عرفت إعلاميا باسم التكفير والهجرة، في اغتيال وزير الأوقاف المصري الأسبق، الشيخ عبدالرحمن الذهبي بعد خطفه. وتوالت الجماعات في مصر، مثل الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد، وكان أشهر عملياتهم اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات نفسه، في أكتوبر 1981، وتوسعت العملية بعد أن دخل عليها دول، ودعمتها أنظمة وأجهزة مخابراتية، وأصبحت جزءا من استراتيجيات كونية، وكلها كانت وراء تنظيم القاعدة، والذي كانت مهمته في الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فخرجوا من هناك، بعد أن تركوا تنظيم طالبان، وبعدها تمددت القاعدة إلى العديد من الدول، بعد الفشل في معالجة مشكلة الآلاف من المجاهدين من الدول العربية والإسلامية، بكل خبراتهم العسكرية، وأفكارهم المتشددة، وتوزع التنظيم جغرافيا، القاعدة في اليمن والجزيرة العربية، وفي المغرب العربي وغيرها، وعلى ضوء التطورات السياسية، ظهر تنظيم داعش في سوريا والعراق، وجبهة النصرة، وأنصار الشريعة وغيرها في العديد من الدول مثل ليبيا وتونس ومصر.
ثانياً: توافقت الحرب على الإسلام السياسي مع البدايات، واتخذت أشكالا متعددة، منها ما هو أمني، حيث تعرضت قيادات وقواعد تلك الأحزاب والجماعات، إلى السجن والمحاكمات والنفي والأبعاد، من أنظمة مختلفة، وفي كل الدول تقريبا، بالإضافة إلى استخدام سلاح الإعلام أيضا، في تشويهها والإساءة إليها، بصورة مستمرة ومنهجية، كما أنه لم يتم الاعتراف بها، حتى من الدول الملتزمة مبكرا بالتعدد الحزبي، وعندما كانت تلك الجماعات في مقدمة المشاركين في ثورات الربيع العربي، بدأت عملية خلط متعمد، من قوى الثورة المضادة ومن جهات معادية للإسلام، بين كلا المجموعتين القابل للعملية السياسية والديمقراطية، وبين ما يطلق عليه أحيانا السلفية الجهادية وجماعاتها، حدث هذا في مصر، ومن ذلك تحميل الإخوان المسلمين مسؤولية كل العمليات الإرهابية، التي شاهدتها مصر بعد 3 يوليو 2013، أو في ليبيا.
ثالثاً: من التعسف التعامل مع كل تجارب الإسلام السياسي، من خلال منظور واحد، أو أن كل الأحزاب التي تمارس عملا سياسيا، هم أعضاء في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فهناك خيمة واسعة هي المرجعية الدينية، تضم جميع المنتمين للإسلام السياسي الديمقراطي، إذا جاز التعبير، مع الإقرار بوجود تباين واختلاف بينها، كما أن تجارب حكم الإسلام السياسي في العالم محدودة جداً، أقدمها في السودان، ومثل نظام عمر البشير تحالفا بين عناصر عسكرية من الجيش، وعناصر من حزب الترابي، ولكنها لم تستمر! وحدث الانشقاق والخلاف بين الجانبين، وهناك تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، مرجعيته إسلامية، ولكنه ملتزم بعلمانية الدولة، يضاف إلى ذلك تجربة حزب النهضة في تونس، والذي حرص منذ البداية على التحالف، داخل «ترويكا حاكمة»، ضمت حزبين آخرين، وهناك التجربة المهمة لحزب العدالة والتنمية في المغرب، والتي تتسم بالنجاح، نتيجة تركيزها على تنفيذ خطة إصلاح اقتصادي شاملة، بعيدا عن الاهتمام بتغيير قناعات الشعب، كما أنها تحظى برعاية الملك محمد السادس.
رابعاً: كل تجارب الإسلام السياسي الحاكمة، أو المشاركة في الحكم، أو في صفوف المعارضة، جاءت عبر آليات ديمقراطية، ومن ذلك حزب النهضة، الذي حل أولا في الانتخابات الماضية، وجاء في المرتبة الثانية في الأخيرة، وكذلك حزب العدالة والتنمية صاحب الأكثرية في المغرب، وكذلك حزب التجمع اليمني للإصلاح. واستبعادهم تم بالقوة العسكرية، كما هو الحال في مصر، والمحاولات مستمرة في ليبيا واليمن.
وبعد: فالتجربة تقول إن المستقبل لأحزاب الإسلام السياسي، التي ارتضت بآليات الديمقراطية، سواء في الحكم أو في المعارضة، والحكم لصندوق الانتخابات.