


عدد المقالات 104
«إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يُسلم» [محمد رسول الله ﷺ].. أبُو الدَّردَاءِ الأنصَارِيُّ (رضي لله عنه)، صحابي وفقيه وقاضٍ وقارئ قرآن، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. أسلم متأخرًا يوم بدر، ودافع عن النبي ﷺ يوم أحد، وشهد ما بعد ذلك، وكان من المجتهدين في التعبد وقراءة القرآن. رحل إلى الشام بعد فتحها ليُعلّم الناس القرآن، وليُفقّههم في دينهم، وتولى قضاء دمشق، وظل فيها إلى أن مات فيها في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ارتبط أبو الدرداء (رضي لله عنه) بعبد الله بن رواحة (رضي لله عنه) في الجاهلية بالصداقة والمحبة، فقد كانا متآخين في الجاهلية، فلما جاء الإسلام اعتنقه عبد الله بن رواحة وأعرض عنه أبو الدرداء. وتمر الأيام والليالي وما زال أبو الدرداء على الشرك. وفي يوم من الأيام خرج أبو الدرداء (رضي لله عنه) كعادته إلى متجره وأخذ يبيع ويشتري، وفي ذلك الوقت دخل عبد الله بن رواحة (رضي لله عنه) إلى بيته وأخرج قدوماً فكسر صنمه. لم يمض إلا القليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله فرأى الصنم فرجع يجمع الصنم، ويقول: ويحك هلّا امتنعت، ألا دفعت عن نفسك. فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع من أحد، دفع عن نفسه ونفعها. (أصحاب الرسول، ج2 ص172) فقال أبو الدرداء: أعدي لي ماءً في المغتسل فاغتسل، ولبس حلته، ثم ذهب إلى النبي فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً، فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال: (إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم). (أخرجه ابن عساكر، ج2 ص369). قال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحداً، وأمره رسول الله يومئذ أن يرد من على الجبل، فردهم وحده. وكان قد تأخر إسلامه قليلاً. (أخرجه ابن عساكر، مرجع سابق، ج1 ص370). وعزم (رضي الله عنه) على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد، وأن يواصل خلال الليل بكلال النهار حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه. فانصرف إلى العبادة، وأقبل على العلم، وأكب على كتاب الله يحفظ كلماته، ويتعمق في فهم آياته. ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة، وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف. (صور من حياة الصحابة ج1 ص 206). وقد احتل أبو الدرداء (رضي الله عنه) مكانة سامية في قلوب الصحابة (رضي الله عنهم). فعن مكحول: كان الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر؛ وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة؛ وأعلمنا بالحرام والحلال مُعاذ؛ وأقرأنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل. (سير أعلام النبلاء، ج2 ص341). وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء. (تاريخ البخاري، ج7 ص77). وقال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء، أعلم منك يا أبا الدرداء. (تاريخ ابن عساكر، مرجع سابق، ج2 ص373). وفي خلافة الفاروق (رضي الله عنه) أراد من أبي الدرداء (رضي الله عنه) أن يلي له عملاً في الشام فأبى، فأصر عليه فقال: إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم، وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت، فرضي منه عمر بذلك، ومضى هو إلى دمشق، فلما بلغها وجد الناس قد أولعوا بالترف، وانغمسوا في النعيم، فهاله ذلك، ودعا الناس إلى المسجد فاجتمعوا عليه فوقف فيهم وقال: «يا أهل دمشق أنتم الإخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء... يا أهل دمشق ما الذي يمنعكم من مودتي والاستجابة لنصيحتي وأنا لا أبتغي منكم شيئًا، فنصيحتي لكم، ومؤنتى على غيركم. مالي أرى علماءكم يذهبون، وجهّالكم لا يتعلمون ؟!... وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله (عز وجل) وتركتم ما أمرتم به؟!... لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأملت.... فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا وأملهم غروراً... وبيوتهم قبوراً... هذه عادٌ - يا أهل دمشق - قد ملأت الأرض مالاً وولداً... فمن يشترى منى تركة عاد اليوم بدرهمين؟». فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد. (صفة الصفوة، ابن الجوزي، ج1 ص240). ومنذ ذلك اليوم طفق أبو الدرداء يؤم مجالس الناس في دمشق ويطوف بأسواقهم، فيجيب السائل، ويعلم الجاهل، وينبه الغافل، ويعظ أهلها ويذكرهم ويعلمهم الكتاب والحكمة حتى أتاه اليقين، فلما مرض مرض الموت، دخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي.. قالوا فما تشتهى؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيباً؟ قال: هو الذي أضجعني. وكان (رضي الله عنه) يقول: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي. توفي أبو الدرداء (رضي الله عنه) بدمشق سنة (32 هـ) وقيل (33 هـ) في خلافة عثمان (رضي الله عنه). (صفة الصفوة، مرجع سابق، ج1 ص245 – 246).
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...
الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...
يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل...