alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 116

أبو الدرداء الأنصاري

06 فبراير 2025 , 10:12م

«إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يُسلم» [محمد رسول الله ﷺ].. أبُو الدَّردَاءِ الأنصَارِيُّ (رضي لله عنه)، صحابي وفقيه وقاضٍ وقارئ قرآن، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. أسلم متأخرًا يوم بدر، ودافع عن النبي ﷺ يوم أحد، وشهد ما بعد ذلك، وكان من المجتهدين في التعبد وقراءة القرآن. رحل إلى الشام بعد فتحها ليُعلّم الناس القرآن، وليُفقّههم في دينهم، وتولى قضاء دمشق، وظل فيها إلى أن مات فيها في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ارتبط أبو الدرداء (رضي لله عنه) بعبد الله بن رواحة (رضي لله عنه) في الجاهلية بالصداقة والمحبة، فقد كانا متآخين في الجاهلية، فلما جاء الإسلام اعتنقه عبد الله بن رواحة وأعرض عنه أبو الدرداء. وتمر الأيام والليالي وما زال أبو الدرداء على الشرك. وفي يوم من الأيام خرج أبو الدرداء (رضي لله عنه) كعادته إلى متجره وأخذ يبيع ويشتري، وفي ذلك الوقت دخل عبد الله بن رواحة (رضي لله عنه) إلى بيته وأخرج قدوماً فكسر صنمه. لم يمض إلا القليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله فرأى الصنم فرجع يجمع الصنم، ويقول: ويحك هلّا امتنعت، ألا دفعت عن نفسك. فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع من أحد، دفع عن نفسه ونفعها. (أصحاب الرسول، ج2 ص172) فقال أبو الدرداء: أعدي لي ماءً في المغتسل فاغتسل، ولبس حلته، ثم ذهب إلى النبي فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً، فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال: (إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم). (أخرجه ابن عساكر، ج2 ص369). قال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحداً، وأمره رسول الله يومئذ أن يرد من على الجبل، فردهم وحده. وكان قد تأخر إسلامه قليلاً. (أخرجه ابن عساكر، مرجع سابق، ج1 ص370). وعزم (رضي الله عنه) على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد، وأن يواصل خلال الليل بكلال النهار حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه. فانصرف إلى العبادة، وأقبل على العلم، وأكب على كتاب الله يحفظ كلماته، ويتعمق في فهم آياته. ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة، وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف. (صور من حياة الصحابة ج1 ص 206). وقد احتل أبو الدرداء (رضي الله عنه) مكانة سامية في قلوب الصحابة (رضي الله عنهم). فعن مكحول: كان الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر؛ وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة؛ وأعلمنا بالحرام والحلال مُعاذ؛ وأقرأنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل. (سير أعلام النبلاء، ج2 ص341). وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء. (تاريخ البخاري، ج7 ص77). وقال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء، أعلم منك يا أبا الدرداء. (تاريخ ابن عساكر، مرجع سابق، ج2 ص373). وفي خلافة الفاروق (رضي الله عنه) أراد من أبي الدرداء (رضي الله عنه) أن يلي له عملاً في الشام فأبى، فأصر عليه فقال: إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم، وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت، فرضي منه عمر بذلك، ومضى هو إلى دمشق، فلما بلغها وجد الناس قد أولعوا بالترف، وانغمسوا في النعيم، فهاله ذلك، ودعا الناس إلى المسجد فاجتمعوا عليه فوقف فيهم وقال: «يا أهل دمشق أنتم الإخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء... يا أهل دمشق ما الذي يمنعكم من مودتي والاستجابة لنصيحتي وأنا لا أبتغي منكم شيئًا، فنصيحتي لكم، ومؤنتى على غيركم. مالي أرى علماءكم يذهبون، وجهّالكم لا يتعلمون ؟!... وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله (عز وجل) وتركتم ما أمرتم به؟!... لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأملت.... فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا وأملهم غروراً... وبيوتهم قبوراً... هذه عادٌ - يا أهل دمشق - قد ملأت الأرض مالاً وولداً... فمن يشترى منى تركة عاد اليوم بدرهمين؟». فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد. (صفة الصفوة، ابن الجوزي، ج1 ص240). ومنذ ذلك اليوم طفق أبو الدرداء يؤم مجالس الناس في دمشق ويطوف بأسواقهم، فيجيب السائل، ويعلم الجاهل، وينبه الغافل، ويعظ أهلها ويذكرهم ويعلمهم الكتاب والحكمة حتى أتاه اليقين، فلما مرض مرض الموت، دخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي.. قالوا فما تشتهى؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيباً؟ قال: هو الذي أضجعني. وكان (رضي الله عنه) يقول: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي. توفي أبو الدرداء (رضي الله عنه) بدمشق سنة (32 هـ) وقيل (33 هـ) في خلافة عثمان (رضي الله عنه). (صفة الصفوة، مرجع سابق، ج1 ص245 – 246).

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...