


عدد المقالات 336
في هذا الشهر شهر ربيع الأول من كل عام، تثور مجادلات لا حدود لها بين الناس حول مشروعية الاحتفال بذكرى مولد النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- ولا أريد أن أكون طرفاً في هذا السجال، لكني أرى أنها نموذج حي ومناسب لدراسة منهج هؤلاء المتحدثين عن الله اليوم في طريقة تفكيرهم وأسلوب حوارهم مع كل مخالف لهم، ذات اليمين أو ذات الشمال. بنظرة متأملة ومتألمة أيضاً لكل هذه المساجلات والمجادلات، تجد أن كثيراً من المختلفين يفتقرون إلى استحضار المنهج العلمي في إدارة خلافاتهم وحواراتهم، وربما افتقروا أيضاً إلى القواعد الأخلاقية في التعامل مع الآخر أيّاً كان ذلك الآخر. فهذا القرآن الكريم، يشدّد على المسلمين بأسلوب التأكيد والحصر الشديد: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. وأهل الكتاب هؤلاء هم المكذّبون بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وليسوا ممن نختلف معهم في مسألة فرعية أو ثانوية. ومعنى {أَحْسَنُ} في الآية، ليس المجاملة الدبلوماسية، بل الأحسن في ضبط أصول الحوار وتوخّي دقة المعلومة، والحرص على فهم مراد المتحدث، والإنصاف في القول والحكم، وتجنّب الاتهام بلا بيّنة وتقويل الخصم ما لم يقل، أو محاججته في ما لا يعتقد؛ فهذه أصول المجادلة الهادفة التي هي مظنة الوصول إلى الحق. ولو أخذ المسلمون في خلافاتهم البينية بما أمرهم الله أن يأخذوه في خلافاتهم مع أهل الكتاب، لكانوا على خير عظيم. أول الإنصاف الذي قد يغيب في زحمة الجدل وردود الأفعال، أن الاحتفالات التي يقيمها المجيزون ليست واحدة؛ فهناك احتفالات عبارة عن حلقات علمية وأدبية ولا تخص ليلة معينة بل تستمر لشهر أو أكثر، وهذا ما رأيته وعايشته لسنوات طويلة في مساجد الفلوجة، ولم أرَ اختلاطاً بين الرجال والنساء، ولا خروجاً عن أحكام الشريعة، بل هي مناسبات تثقيفية، وقد رأيت كثيراً من دعاة المنهج السلفي ممن يشجعها ويشارك فيها، ويبقى بعض المعترضين على أصل الفكرة وتخصيص هذا الشهر بهذه الأنشطة، وهو اعتراض علمي ينبغي أن يُقابل بجواب علمي كذلك. لكن صورة الاحتفالات ليست كلها كذلك؛ فقد حضرت بنفسي أيضاً احتفالاً في أطراف بغداد، وساءني جداً ما رأيت؛ رأيت أحد المعمّمين يطلب من المنشدين أن يتحفوه ببعض «المدائح الشركية» على حد تعبيره، يقول ذلك استهزاء بإخوانه المعترضين على مدائح الغلوّ، والتي فيها خلط واضح بين مقام الخالق ومقام المخلوق، تماماً كما يفعل غلاة التشيّع بأئمتهم. ونما إليّ في هذا الموسم أن بعض احتفالات بغداد قد صاحبها بذخ وإسراف، في الوقت الذي يهلك الناس من التشريد القسري جوعاً وبرداً وقهراً، وكذلك استغلال بعض الناس للاختلاط المسيء بين الرجال والنساء في الشوارع والساحات العامة، وهذه وإن كانت بغير رضا القائمين على الاحتفال -فهم قطعاً لا يتحكمون بالشوارع والساحات التي خارج المسجد- لكنها صورة يجب أن تُنكر. إذن، هناك صور مختلفة للاحتفالات وللمحتفلين، وخلط هذه الصور وكأنها صورة واحدة هو مظهر من مظاهر الحيدة عن جادّة المجادلة بالتي هي أحسن؛ إذ فيه اتهام لكل مخالف بأنه راضٍ عن كل ذلك.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...