


عدد المقالات 336
أيا ما كان التكييف الفقهي للعمل الذي يقوم به الناخب فإنه متضمن لمعنى "الشهادة"، حيث إن الناخب يشهد على أن هذا المرشح هو الأكفأ والأصلح لهذا المنصب، وللشهادة شروط ومتطلبات يمكن الإشارة لها فيما يلي: الشهادة بالعلم: حينما يصوت الناخب لأحد المرشحين فكأنه يقول: هذا هو الأصلح لهذا المنصب. وهذا يتطلب علما بالمرشح الذي اختاره وعلما بالمرشحين الآخرين، وإلا كان كاذبا في شهادته، وهذا العلم لا يتأتى إلا بالتحري والسؤال والتدقيق، وليس بالصور والشعارات والمؤثرات الدعائية، فعلى الناخب (أفرادا ومجموعات) البحث في المعلومات اللازمة عن كل مرشح من المصادر الموثوقة ومواجهة المرشحين والاستفهام المباشر منهم، ولا يجوز للمرشح أن يكتم معلومة تؤثر في قناعة الناخب وإلا كان غاشا لمجتمعه وأمته. الشهادة بالحق: ينحاز الناخب في الكثير من الأحيان لعشيرته وقرابته أو معارفه وأصدقائه أو لمن ينتظر منهم مصلحة شخصية، وكل هذا من الإثم الذي يحاسب عليه المرء أمام الله، لكن أخطر هذه الانحيازات هو الانحياز بالمبرر الديني الموهوم، حيث يخالف المسلم قناعته الذاتية ويستجيب لأوامر الحزب أو الجماعة التي ينتمي لها تمسكا بآداب الجندية والبيعة، وهذا من قلة الوعي أو الفقه في العمل الجماعي، فالتصويت إن كان من باب "الشهادة" فالشهادة مسؤولية فردية لا دخل لها بفقه الولاء والبراء، وقد رأينا في تاريخنا أن خليفة المسلمين عليا بن أبي طالب قد اختلف مع يهودي في درع فحكم شريح القاضي بالدرع لليهودي لأنه لم يكن عند الخليفة ما يكفي من الشهود، ولو كان الموضوع موضوع ولاء وبراء لشهد لعلي كل المسلمين، أما إذا كان التصويت من باب "الشورى" فإن الشورى لا تتفق إطلاقا مع الأوامر الفوقية، فالمستشار يدلي برأيه بحسب معلوماته وقناعته الذاتية، أما إذا كان يردد ما يملي عليه فما فائدة الشورى؟ في هذه المسألة بالذات يدور جدل كبير، فقد يفهم البعض أن ترك الأمر لخيار الناخب قد يضعف المشروع الإسلامي أمام الدعوات العلمانية وأخواتها، ومؤدى هذا التخوف أن الإسلامي المنتظم في جماعة إسلامية من الممكن أن يختار العلماني على الإسلامي إذا لم يوجه بأمر صريح من جماعته، وهذا في غاية الخطورة، وله انعكاسات ثقافية وتربوية أخطر مما نتصور، لاسيما أن الكلام هنا عن الإسلامي المنتظم، لأن المسلم غير المنتظم لا يوجه له الأمر أصلا. ربما يتساءل البعض: إن المنتظمين في العمل الجماعي ليسوا بمستوى واحد من الوعي؛ ولأنهم يعملون في جماعة وهم يثقون بها فمن حق الجماعة أن توجههم لاختيار الأصلح، والجواب أن التوجيه إذا كان بمعنى التوعية وتقديم المعلومات الأمينة فهذا من واجب الجماعة، أما إذا كان بمعنى الأمر والنهي فهذا ليس من حقها، بل وليس من حق خليفة المسلمين في عصر الخلافة أن يدعو الناس للتشاور أو التصويت ثم يملي عليهم ما يريده، فكيف نعطي لأمير الجماعة ما لا نعطيه لخليفة المسلمين؟ ثم ماذا لو كان في البلد الواحد أكثر من جماعة إسلامية؟ وهذا هو الواقع في كل بلاد المسلمين، وكل جماعة من حقها أن تختار مرشحها بآلياتها الشورية الداخلية، فهل يحرم على المنتسب للجماعة أن يختار مرشح الجماعة الثانية حتى لو كان يراه أنه الأكفأ والأصلح؟ إن هذا معناه تحويل الجماعات من أدوات لخدمة الأمة إلى أدوات لتمزيقها بالولاءات الحزبية القاصرة. في تركيا عايشت بعض التجارب الانتخابية، وقد رأيت غالب الجماعات الإسلامية وربما كلها لا تتدخل في إرادة الناخب وتحجم حتى عن التوجيه، وقد سألت عددا من الناشطين هناك عن هذه الظاهرة فقالوا: إن هذا غير ممكن وسيؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأن الوعي العام هنا لا يتحمل مثل هذه الوصاية، والجماعة التي تتورط في مثل هذا فإنها ستخسر جمهورها وربما قاعدتها الذاتية! في الشأن المصري لا أعلم إن كانت الجماعات هناك تتبنى مثل هذه الفتاوى أو لا، لكني كنت أتابع الشيخ القرضاوي من على الشاشة وهو يحث المصريين لاختيار "القوي الأمين" ثم عبر عن قناعته الشخصية بأحد الإسلاميين المستقلين، وإذا بفتوى غريبة تدخل ما قاله الشيخ القرضاوي في دائرة الخطأ الديني والإثم لأنه خالف فقه البيعة والسمع والطاعة! من الواضح هنا أننا أمام ثقافة منقسمة أو ثقافتين ضدين، والأمر يتطلب قدرا كبيرا من البحث والتأصيل والحوار أيضا. المسؤولية المشتركة: إن العمل الانتخابي يؤسس لمسؤوليات أخرى متسلسلة ومتتابعة، حيث إن هذا العمل يبدأ بمفهوم "الشهادة" وينتهي بمفهوم "التوكيل"، فالناخب يشهد أولا أن هذا المرشح هو الأصلح ثم يرضى به ممثلا أو نائبا عنه، والنيابة كالشهادة لها فقهها وشروطها، ولكن مما يؤسف له غياب هذا الوعي وربما من الطرفين، حيث يظن "النائب" أن صلته بالناخب قد انتهت في صندوق الاقتراع، وهو بعد هذا حر فيما يرى ويقرر، وكأنه قد أخذ توكيلا مطلقا بلا شروط ولا قيود، وأما الناخب فإنه إن رأى النائب قد حقق له ما يريد رضي وسكت، وإلا فليس أمامه سوى السخط وربما الشعور باليأس والندم. لكن الحقيقة أن الناخب تبدأ مسؤوليته العملية بعد التصويت حيث سيكون شريكا للنائب في كل ما يقوله ويعمله حسنات أو سيئات، وهذا يتطلب وعيا دقيقا وعملا دؤوبا، فللناخب دور يجب أن يضطلع به ومن هذا الدور: المتابعة والمراقبة: بما أن النائب لا يمثل نفسه وإنما يمثلنا نحن الذين انتخبناه، فينبغي أن نعلم بالضبط ماذا يقول وماذا يفعل، ولتحقيق هذه الغاية لا بد من وضع آليات للمتابعة والمراقبة، فتكون هناك لجان للرصد والنشر والتوعية، وتكون هناك فضاءات مناسبة للقاء مع النائب (فردا أو قائمة)، وهو ملزم سياسيا وأخلاقيا ودينيا بالحضور والتواصل مع الجماهير الذين انتخبوه، وأن يكون بمنتهى الأمانة في المعلومات والتقارير التي يقدمها. المساءلة والمحاسبة: فالأصيل يحاسب الوكيل على أدائه، لأن الوكيل لا يعمل إلا بمقتضى الوكالة، وهناك فرق جوهري بين "الوكالة" وبين "الهبة"، ومما يؤسف له في ممارساتنا الانتخابية أن النائب يتصرف في منصبه بمنطق الهبة كأن الناس قد وهبوه هذا المنصب إكراما لمقامه واعترافا بفضله!! وسلوك الناخبين أيضا يشجعه على هذا التصور، وهذه خطيئة كبيرة يشترك فيها الطرفان تنتج سلوكيات خاطئة وآثمة حيث ينشغل الوكيل بمشاغله ومصالحه الخاصة، بينما ينشغل الأصيل بالغيبة والنميمة وسوء الظن. المناصرة والمؤازرة: فقوة النائب من قوة جماهيره، وحينما يتخلى الجمهور عن دوره فإن النائب سيكون ضعيفا أمام الآخرين، وأذكر هنا عقب الانتخابات الأخيرة في العراق ببرهة وجيزة أن القائمة العراقية قد قررت الانسحاب من جلسة البرلمان احتجاجا على استفزازات حكومة المالكي، وكان موقفا مسؤولا وشجاعا، بيد أن جمهور العراقية وهو الجمهور الأكبر على مستوى العراق كله تعامل مع الموضوع بمنتهى السلبية، وكأنه خلاف شخصي أو حزبي، مع أن استفزازات المالكي في الوعي الانتخابي لم تكن موجهة للقائمة العراقية بقدر ما كانت موجهة للشارع الذي انتخبها، وحينما غضبت "العراقية" وخرجت من القاعة كان على جمهورها أن يخرج إلى الميدان للتعبير عن غضبه لكن هذا لم يحصل بسبب قلة الوعي وضعف التواصل أيضا. مضت الأيام ولم تتمكن القائمة العراقية من تحقيق وعودها للجماهير، وكان الأمر متوقعا، فالنائب لا يتابع ولا يراقب ولا يحاسب، وهذا ربما شجع بعض النواب أن يتهاون في مسؤولياته إلى أبعد الحدود، وأما من بقي منهم على العهد والشعور بالمسؤولية فإنه يفتقر إلى المناصرة والمؤازرة، ويكفي هنا ما يتعرض له الهاشمي وحمايته على يد الحكومة الطائفية، ربما لمحاولاته المستميتة في كشف خبايا السجون وما يتعرض له المعتقلون الأبرياء، والشيء نفسه يذكر بشأن عدنان الدليمي الذي يدفع اليوم ضريبة صرخته الأولى بمظلومية أهل السنة والجماعة، والجماهير السنية ما زالت تنتظر من نوابها أن يحققوا لها المعجزات، وربما يفكرون بتغيير الوجوه والعناوين، وهنا لا بد من النصح الخالص لكي لا تضيع الجهود عبثا: هذه الطريقة التي تفكرون بها يا سنة العراق لن تقودكم إلى الحل مهما تغيرت وجوه المرشحين والنواب، القضية قضيتكم أنتم، فالقوة قوتكم، والضعف ضعفكم، وليس النائب إلا مرآة تعكس صورتكم الواقعية كما هي.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...