


عدد المقالات 369
من أجمل ما كُتب عن يوم استقلال السودان قصيدة الشاعر عبدالواحد عبدالله، التي سكب عليها الفنان الكبير محمد وردي لحناً بديعاً حتى كادت القصيدة تصبح النشيد الوطني، خاصة بعد أن شملها المنهج المدرسي إثر قرار تربوي عظيم، حملت القصيدة معاني وطنية رفيعة يأتي على رأسها الوفاء لأبطال الحرية الذين ناضلوا ببسالة وإقدام، ورحلوا قبل أن يشهدوا يوم الاستقلال. فقال الشاعر: و ليذكر التاريخ أبطالاً لنا عبد اللطيف وصحبه غرسوا النواة الطاهرة و نفوسهم فاضت حماساً كالبحار الزاخرة من أجلنا ارتادوا المنون (و لمثل هذا اليوم كانوا يعملون) غنوا لهم و لتحيا ذكرى الثائرين فبعد أكثر من ثلاثين عاماً على ثورة اللواء الأبيض، التي قادها البطل علي عبداللطيف، أشرقت شمس الحرية التي رآها عبداللطيف وصحبه بعين اليقين قبل شروقها بعقود، فقد أدركوا ببصيرتهم الوطنية النافذة أن شمس الحرية سوف تشرق على وطنهم، ما دام الشعب يتوق إلى الحرية بإرادة قوية، وارتفع علم الحرية في مطلع العام 1956، بعد ثماني سنوات على وفاة البطل علي عبداللطيف ليؤكد نفاذ بصيرة الثوار، وليذكرهم التاريخ ويكتب أسماءهم بأحرف مضيئة في سجل الخالدين، بعد أن ضحوا بحرياتهم الشخصية في سبيل حرية وطنهم وشعبهم. لقي البطل علي عبداللطيف التكريم المستحق من بني وطنه، وما زالت ثورة 24 وقائدها عبداللطيف موضع اهتمام الدارسين، فقد كانت الثورة علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث، وكان قائدها من العظمة والعبقرية ما يجعل سيرته زاخرة بالمعاني والدلالات الملهمة، لكل مهتم بتاريخ الحركة الوطنية السودانية. أركز في هذا المقال على معلمين في مسيرة البطل علي عبداللطيف، أولهما وعيه السياسي، يظهر ذلك جلياً في قدرته الفائقة على الفرز بين خيوط ودقائق المشهد السياسي، دليلي على ذلك التوازن الدقيق الذي ألزم به نفسه، وجعله يدعو لعلاقة اتحادية مع مصر مع الاحتفاظ للسودان بخصوصيته، يتضح ذلك في مقاله التاريخي الذي سُجن بسببه سجنه الأول الذي استمر لعام، قبل أن يحاكم في المرة الثانية بعشرة أعوام، لقد عنون علي عبداللطيف مقاله بـ «مطالب الأمة السودانية»، وهو عنوان يؤكد أن السياسي ذا التوجه الاتحادي كان يستصحب معه خصوصية السودان، حريصاً على عدم إذابة الكيان السوداني في الدولة المصرية، هذا يجعله الملهم الأول للحركة الاتحادية المعتدلة التي ظهرت بعد مؤتمر الخريجين، واختلفت مع حركات اتحادية أخرى نادت بوحدة اندماجية مع مصر. المعلم الآخر في مسيرة عبداللطيف هو تجسيده للقومية السودانية، التي بدأت تتشكل ملامحها قبيل الثورة، يعرف أن السودان بلد شعب متعدد الأعراق، تعود نسبة عالية فيه إلى جذور إفريقية خالصة، وبعضه خليط من العرب والأفارقة وقلة من العرب الخلص، ولما اندلعت الثورة قدم قادتها زميلهم علي عبداللطيف السوداني الإفريقي الخالص لقيادة جمعية اللواء الأبيض، أهّلته لذلك شخصيته القيادية وكفاءته، حيث لم يكن الانتماء العرقي سبباً في تحديد موقع أي عضو في الجمعية، الشيء الذي ينفي تماماً دعاوى ومزاعم ظهرت لاحقاً عن تمييز سلبي يمارسه المنتمون عرقياً للعروبة ضد الأفارقة الخلص، فيحولون بينهم وبين المواقع القيادية في أي عمل عام، ورغم ذلك حاولت حركات سياسية لاحقة تدعي الانتصار للعنصر الإفريقي المظلوم -بزعمها- أن تتمسح بالبطل علي عبداللطيف، وكأنه رمز لحركة رفضت الظلم ضد الأفارقة، فانتسبت هذه الحركات الانتهازية لعرق عبداللطيف، وتجاهلت تماماً تبوأه موقع القيادة في ثورة ضمت أعضاء من مختلف القبائل، قدموا طائعين مختارين عبداللطيف الإفريقي لقيادة جمعية اللواء الأبيض، ولما خرج طلاب المدرسة الحربية في مظاهرتهم التاريخية، توجهوا لمنزل القائد السجين، تأكيداً لرمزيته القومية رغم غيابه وراء القضبان، ومع ذلك تصرّ الحركات الإقليمية والعرقية المتأخرة على حبس عبداللطيف في إطار عرقي ضيّق، علّها توظف صيت البطل القومي في الترويج لأفكار متخلفة، وحرمت بهذا المسلك السياسي الانتهازي نفسها من استيعاب الدرس المستوحى من مكانة عبداللطيف الوطنية، وهو أن المؤهلات الفكرية والحضارية بجانب المواهب الشخصية، التي قدمت عبداللطيف للقيادة، تبرهن على أن التعليم والتثقيف -لا التحريض العنصري- هو واجب أية حركة سياسية تجاه جماهيرها، حتى تؤهلها لمواقع اجتماعية متقدمة، ولأدوار سياسية مؤثرة. لقد خُلد اسم علي عبداللطيف، وأصبح أحد أهم الرموز في تشكيل «سودانوية» تحفظ للسودان خصوصيته.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...